فهرس الكتاب

الصفحة 9210 من 9994

إنه باختصار ردة ولا أبا بكر لها. إنها قضية العالم الإسلامي الكبرى، إنها مشكلة الأمة الأولى، ولا أبا بكر لها.

إنها ليست مسألة نقص في الأخلاق، أو مسألة ضعف في العبادات، بل هي مسألة كفر وإيمان، إنها مسألة بقاء للإسلام أو خلع لثوبه.

فنسأل الله جل وتعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وأن يهيئ لهذه الأمة وقفات صديقية ترد عنها أعوان الردة.

اللهم إن أردت فتنة بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين.

أيها المؤمنين. . عباد الله: لما كان يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، اغتسل رضي الله عنه، وكان يوماً بارداً، فحمّ خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى الصلاة.

وتوفى رضي الله عنه، ليلة الثلاثاء، بين المغرب والعشاء، ليلة ثلاث وعشرين من جمادى الثانية، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وله ثلاث وستون سنة.

وكانت ابنته عائشة رضي الله عنها عند رأسه، فلما ثقل تمثلت بهذا البيت:

لعمرك ما يُغني الثراء عن الفتى……إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

فكشف عن وجهه وقال: ليس كذلك، ولكن قولي: وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد.

انظروا ثوبي هاذين فاغسلوهما وكفنوني فيهما، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.

ودفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل رأسه عند كتف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وألصق اللحد بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل معه في قبره عمر، وعثمان، وطلحة، وابنه عبد الرحمن.

وكان من بركته أن خلف على المسلمين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإن هذا من حسناته رضي الله عنهما وعن جميع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين.

مرزوق بن سالم الغامدي

مكة المكرمة

الرحمة

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-بعض فضائل الصديق. 2- بعض فضائل الفاروق. 3- تسابقهما في طاعة الله. 4- بعض ما جاء في فضلهما معاً. 5- ولاية الصديق لأمر المسلمين وبعض ما صنعه في خلافته. 6- ولاية الفاروق لأمر المسلمين وبعض ما صنعه في خلافته.

الخطبة الأولى

أيها الإخوة: ستكون خطبتنا اليوم عن أفضل رجلين في هذه الأمة، أفضل رجلين بعد النبي صلى الله عليه وسلم .. الأول عبد الله بن عثمان، أبو بكر الصديق .. عتيق رضي الله عنه، والثاني الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإنني أعلم عدم استطاعتي أن أفي الرجلين حقهما في الوصف وذكر المناقب في خطبة واحدة، ولكن هي وقفات نقفها عند بعض صفاتهما ومناقبهما لنتعرف خلالها على تاريخ رجلين من سلفنا الصالح وسيرتهما المضيئة التي هي امتداد لسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، والتي أُمرنا بالسير عليها والاهتداء بها، كما قال صلى الله عليه وسلم: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ) ).

فأبو بكر أسلم دون تردد، وصّدق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به دون ريبة أوشك، لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر: (( ما عرضت الإسلام على أحد إلا كانت له عنده كبوة وتردد غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم ) ).

لقد كان رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الغار وصاحبه في الهجرة .. دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه حينما آذاه كفار قريش عند الكعبة وقال لهم: (أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله) ، فضربوه حتى أدموا وجهه، وأغمي عليه رضي الله عنه عند الكعبة فنقل إلى بيته، فأول ما أفاق سأل عن رسول الله فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم اطمأن وهان عليه ما لاقاه مادام رسول الله سالماً.

كان أبو بكر أبيض نحيفاً، لا يستمسك إزاره في حقويه، معروق الوجه ناتيء الجبهة أكحل العينين سابل اللحية واضح الثنايا أحمش الساقين. يضرب شعره شحمة أذنيه، هيناً ليناً متواضعاً كريماً تعرف فيه الخير حين تراه. وكان أبو بكر رضي الله عنه معروفاً بالتجارة، لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أربعون ألف درهم فكان يعتق منها ويقوي المسلمين حتى قدم المدينة بـ (5000) درهم ففعل فيها مثلما كان يفعل بمكة.

وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أرحم أمته بأمته، وأنه أحب الرجال إليه حيث سأله عمرو بن العاص فقال: قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: (( عائشة ) )قلت: إنما أعني من الرجال قال: (( أبوها ) ).

شهد أبو بكر رضي الله عنه بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها، وكانت معه الراية يوم تبوك، وكان فيمن ثبت يوم أحد مع رسول الله، وحج بالناس في السنة الـ 9 هـ.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قدم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا ما رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا، فقدمنا أبا بكر) .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما لأحدٍ عندنا يد إلا وقد كافيناه ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يداً يكافيه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن صاحبكم خليل الله ) ). أي يقصد نفسه صلى الله عليه وسلم أنه خليل الرحمان، والخلة أعلى درجات المحبة.

أما الفاروق رضي الله عنه، لقد كان إسلامه فتحاً وكانت هجرته نصراً وكانت إمارته رحمة، كما قال عبد الله بن مسعود: (ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي ونطوف بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتلناهم حتى تركونا نصلي...) أي كفار قريش. والقتال هنا، المضاربة باليد، لأن الجهاد لم يؤذن به إلا بعد الهجرة. لقد أعلن عمر رضي الله عنه إسلامه وجهر به وازداد المسلمون عزه وقوة بإسلامه.

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ) ).

وقد قال صلى الله عليه وسلم أيضاً عن عمر رضي الله عنه: (( كان فيما خلا قبلكم من الأمة ناس محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فهو عمر بن الخطاب ) ).

والمحدث هو الملهم وهي منزلة جليلة من منازل الأولياء. وقد قيل عنه رضي الله عنه: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال عمر: إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر.

وقد وافق القرآن قول عمر رضي الله عنه في عدة مواقف منها ما قاله للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يحجب زوجاته أمهات المؤمنين فنزل الأمر بالحجاب، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم حينما طاف بالكعبة في العمرة: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزل قوله تعالى: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.

وحينما هجر النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته قال عمر: (عسى ربُّه إن طلقكن أن يبدلهُ أزواجاً خيراً منكن) ، فنزل القرآن بمثل ما قال، وكذلك في قصة الصلاة على المنافقين وقصة أسارى بدر وغيرها كثير، وقيل أنها تصل إلى خمسة عشر موقعاً وافق فيها القرآن قول عمر رضي الله عنه.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فضل عمر وعلمه حيث قال: (( رأيت كأني أوتيت بقدح لبن، فشربت منه، فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب ) )قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: (( العلم ) ).

قال ابن مسعود رضي الله عنه: (لو وضع علم أحياء العرب في كفة ووضع علم عمر في كفه لرجح به علم عمر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت