عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره ) )، قالوا: ماذا أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: (( الدين ) )رواه مسلم.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر دائماً أبا بكر وعمر، وكثيراً ما يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، آمنت به أنا وأبو بكر وعمر، كما حدث في قصة البقرة التي تكلمت، كما جاء في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها، التفتت إليه البقرة فقال: إني لم أخلق لهذا، ولكن إنما خلقت للحرث ) )فقال الناس: سبحان الله تعجباً وفزعاً: أبقرة تتكلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فإني أؤمن به أنا وأبو بكر وعمر ) )ولم يكونا موجودين في تلك اللحظة.
وصعد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين على جبل أحد فارتج الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ) ).
أيها الإخوة: إن التنافس على الخير والمسابقة على فعل الطاعات هو دأب سلفنا الصالح، فهذان الخيران الجليلان كانا يتسابقان على فعل الخير، ويتنافسان على فعل المعروف، فكان السبق والفوز من حظ أبي بكر رضي الله عنه. عن عمر رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ووافق ذلك عندي مالاً، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً قال: فجئت بنصف مالي فقال رسول الله: (( ما أبقيت لأهلك؟ ) )قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ فقال أبقيت لهم الله ورسوله قلت لا أسبقه إلى شيء أبداً. وهذا اعتراف من عمر أنه لا يستطيع التقدم على أبي بكر في معروف .. وهذا من فضل الله يؤتيه من يشاء.
عن حذيفة رضي الله عنه قال:كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إني لست أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي - وأشار إلى أبي بكر وعمر - واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد ) )أي عبد الله بن مسعود.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ) ).
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ طلع أبو بكر وعمر فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين ) ).
هذان الشخصان هما قدوتنا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وسيرتهما شرف لنا نستضيء بها في حياتنا، وباتباعها نفقه ونتعلم المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم والتمسك بسنته، وبالسير على نهجهما تكون النجاة من الوقوع في البدع والمحدثات، وبالاقتداء بهما في فهمهما للقرآن والسنة نسلم من التأويلات الفاسدة ونسلم من فهم أهل الأهواء السقيم وتغليطاتهم الرديئة.
هذان اللذان كانا يفتيان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اجتمعت الأمة على فضلهما على جميع الخلائق بعد الأنبياء، أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما وعن جميع الصحابة والآل ومن سار على نهجهم واهتدى بهداهم.
أسأل الله العلي العظيم أن يجمعنا بهم مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في مستقر رحمته وأن يملأ قلوبنا بحبهم، وإننا نقول ما قاله الله تعالى: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
الخطبة الثانية
توفي النبي صلى الله عليه وسلم فخلفه الصديق رضي الله عنه، وكان عثمان أبو قحافة والد أبي بكر بمكة، فسأل عمن ولي أمر المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: ابنك .. فسأل هل رضي الناس بذلك؟ قالوا: نعم، قال: فإنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
لقد ارتجت المدينة بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أبا بكر حينما جاءه الخبر ثبت ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مسجى في فراشه فكشف عن وجهه الغطاء، وقبل جبينه وقال: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، طبت حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله موتتين أبداً .. فخرج على الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) ثم قرأ: إنك ميت وإنهم ميتون ثم تلى قوله تعالى: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين فنشج الناس يبكون.
وبعد ذلك حينما بويع بالخلافة أمضى جيش أسامة الذي عقد لواءه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه طلب من أسامة أن يترك عمر لديه ليستعين به .. انظروا أيها الإخوة يستأذن الخليفة من قائد الجيش بأن يترك لديه شخصاً من الأفراد .. فيأذن القائد لعمر بالبقاء مع الخليفة .. وبعد أيام وإذا بالخليفة يحمل متاعاً يريد أن يبيعه في السوق، فيعترضه بعض الصحابة ومنهم عمر، فسئل أبو بكر أين تريد يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: السوق فقيل له: ماذا تصنع وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قالوا له: انطلق حتى تفرض لك شيئاً .. فقالوا لأنفسهم: افرضوا لخليفة رسول الله ما يغنيه، قالوا: نعم، برداه إذا اخلقا وضعهما وأخذ مثلهما، وظهره إذا سافر، أي دابة يركبها، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف، قال أبو بكر: رضيت.
فلما حضرته الوفاة: وكان عنده بعض الدراهم لم يصرفها، قال: ردوا ما عندنا من مال المسلمين، فإني لا أخلف في منزلي من مالهم شيئاً، وارضي التي بمكان كذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم، ولقوح وعبد صيقل وقطيفة كانت تساوي خمسة دراهم، فقال عمر: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده.
لقد أعز الله الإسلام بخلافة أبي بكر رضي الله عنه حينما حارب المرتدين وأعادهم إلى الإسلام واتخذ قراره الشهير في محاربتهم دون هوادة. ولقد كان أبو بكر يراقب نفسه، حيث دخل عليه عمر بن الخطاب وهو آخذ بلسانه ينضنضه، فقال عمر: قلت سبحان الله!! فقال: إن هذا أوردني الموارد، ويقال: إنه كان يقول عن لسانه لساني سبع في فيّ إن أرسلته أتي علي.
توفي أبو بكر رضي الله عنه بعد أن عهد بالخلافة لعمر رضي الله عنه، ويروى أنه قد وضع له السم في الطعام فمرض ثم مات من أثر هذا السم بعد أن بقي في الخلافة عامين.
فتولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومكث في الخلافة عشر سنين.
أول ما تولى الخلافة حدد ما سيأخذه من بيت مال المسلمين حيث قال رضي الله عنه: (يحل لي حلتان: حلة الشتاء وحلة القيظ، وما أحج عليه واعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد ذلك من المسلمين يصيبني ما أصابهم) .