فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
تاريخ الإجابة ... 15/03/2005
موضوع الفتوى ... الزكاة
نص السؤال ... في سورة المائدة آية 106"فأصابتكم مصيبة الموت"فلم قال الله سبحانه وتعالى مصيبة الموت , ونحن نعلم أن المؤمن يبشر بالجنة عند موته حتى أن بعض الصالحين قال أن الموت عرس المؤمن فكيف يكون مصيبة؟ جزاكم الله خيرا
اسم المفتي ... مجموعة من الباحثين
نص الإجابة
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالله سبحانه وتعالى سمى الموت مصيبة"ومن أصدق من الله قيلا""ومن أصدق من الله حديثا"؟ فحقا الموت مصيبة كبرى ورزية عظمى وسماه الله تعالى مصيبة لما يقع معه من أهوال فأول مصيبة الموت آلام ونزعات ساعة الاحتضار وما يصحبها من فتن وغرغرة وسكرات، لا يقوى المحتضر من شدتها أن يخرج صراخا ولكنه يتأوه، روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،"كان يمسح وجهه بالماء ليخفف من وطأة الموت وشدته ويقول: (لا إله إلا الله ،إن للموت سكرات) "فسكرة الموت شديدة لأنها تأتي بالحق، والحق ثقيل.
فعند الموت يشعر الغافل أن الله حق وأن الحلال بيّن وأن الحرام بيِّن، وأن الظلم ظلمات وأن المعاصي مهالك وليست لذات، فقد ذهبت اللذات وبقيت الحسرات ، يتذكر عند الموت أنه كان مفرطا فتتعاظم الحسرة التي لا تنفع والندم الذي لا يقبل، ويتمنى لو يرجع، (قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها) .
فمصيبة الموت أنه خاتمة الحياة والأعمال، حيث يقفل السجل ويغلق الديوان فلا عمل بعد الموت بل ينقطع إلا من ثلاث ولد صالح أو صدقة جارية أو علم ينتفع به..
ووصف الموت بأنه مصيبة فالحقيقة أن المصيبة تكون للأحياء وليس للميت أما الميت فقد يكون يوم موته هو يوم عرسه وهذا لمن وفقه الله تعالى لفعل الطاعات وترك المنكرات وقد يكون الموت مصيبة أيضا للميت إذا كان في غفلة عن لقاء ربه وانغمس في الشهوات والملذات فمن كان هذا حاله فموته مصيبة بل أعظم مصيبة .. نسأل الله تعالى السلامة والعافية.
ويقول فضيلة الدكتور سعيد رمضان البوطي -من علماء سوريا-:
عندما وصف الله عز وجل الموت بالمصيبة في قوله: {فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} [المائدة: 5/106] .
فالمصيبة التي نعت الله عز وجل الموت بها ليست مصيبة الراحل عن حياتنا الدنيا، وإنما هي مصيبة أقرانه وأحبابه وأقاربه الذين يستوحشون للبعد عنه، فالأحياء الذين يودعون أحباباً لهم أقارب لهم يستوحشون ويتألمون ويحزنون ويجزعون، والمصيبة هي مصيبة الفراق، ولكن المصيبة تنحط على من؟ لا على الذي ارتحل، ولكن على الأحياء الذين فقدوا أحبابهم، أما الميت فالميْت هو الذي يضع في الموت معناه، إن شاء وضع في الموت معنى العرس، فهو من هذا العرس على ميعاد، وإن شاء وضع في الموت معنى المصيبة فهو من هذه المصيبة أيضاً على ميعاد. .
الموت بالنسبة للميْت ليس مصيبة، وإنما الحي هو الذي يرسم للموت معناه، إن شاء جعل من الموت عرساً أو شاء أن يجعل من الموت مصيبة، متى يرسم للموت هذا المعنى؟ في حياته الدنيا التي يعيشها، أنت الآن تملك الفرصة التي إن شئت جعلت خلالها، خلال هذه الفرصة من الموت عرساً تقبل إليه، وإن شئت جعلت منه مصيبة وأي مصيبة، كيف؟
إن عرفت كيفية السير إلى الله، وإن عرفت كيفية السلوك الذي يجمعك غداً مع الله عز وجل، وأنت سعيد، وأنت قرير العين، وأنت مطمئن البال. إن سلكت تضبط نفسك بالنهج الذي أوصاك الله عز وجل، وبيَّنَة لك، عملت الصالحات، لم تفسد في الأرض، لم تجعل من شهواتك وأهوائك قانوناً يُسَيِّرُك، شرعة تخضع لها كيانك، بل جعلت من شرعة الله، جعلت من أوامر الله سبحانه وتعالى منهجاً لك، فاعلم أنك قد وضعت بذلك في الموت حقيقة العرس، وإذا جاء الموت غداً فلسوف تكون قرير العين، ولسوف ترجل إلى الله عز وجل وأنت تتمتع بأجمل لحظة شعرت بها في حياتك أجمع.
أما إن جنحت عن هذا النهج، وأخضعت نفسك لما توحي به إليك شهواتك وأهواؤك، دواعي طغيانك، دواعي ظلمك، دواعي طمعك، دواعي انحرافك عن النهج الإنساني الذي أحبه الله لعباده، فاعلم أنك بذلك قد وضعت في الموت حقيقة المصيبة، وأي مصيبة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يقول: (( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ) )
وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم، قالت له عائشة التي تروي هذا الحديث: أهو الموت يا رسول الله؟ فكلنا يكره الموت، قال: (( ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا دنا أجله بشر برضوان الله وجنته، فلم يكن شيءٌ أحب إليه من الموت ولقاء الله، وإذا دنا الموت من الكافر بشر بمقت الله وسخطه، فلم يكن شيء أبغض إليه من لقاء الله سبحانه وتعالى ) ).