إعداد/ نصر الله ونيس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين، وبعد:
لا شك أن المال ضرورة في الحياة، فهو أحد الضروريات الخمس التي جاء الإسلام بالحفاظ عليها، وهي: الدين والنفس والعقل والعرض والمال، فالعبد يحتاج المال في كافة شئون حياته؛ في طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه وملبسه، وبه يجلب الناس مصالحهم ويستدفعون الضرر عن أنفسهم، وتقام به العبادات والمعاملات، وبه يتعفف الناس عن ذل السؤال، وقد جعل الشرع للمال حُرمة عظيمة وأولاه عناية واهتمامًا، لأن الناس مجبُولون على حبه، قال تعالى: وتحبون المال حبا جما [الفجر: 20] ، وسمى اللَّه عز وجل المال خيرًا فقال تعالى: وإنه لحب الخير لشديد [العاديات: 8] ، قال السعدي: أي: «كثير الحب للمال» . [تيسير الكريم الرحمن (ص885) ] .
وقال تعالى عن سليمان عليه السلام: فقال إني أحببت حب الخير [ص: 32] ، قال السعدي: أي آثرت حب الخير الذي هو المال عمومًا. [المرجع السابق (ص685) ] ، وحتى لا يُغالي الناس في حبهم للمال فيصيرون عبيدًا له من دون اللَّه تعالى، وحتى لا يترك الناس السعي في تحصيله تواكلاً فيكونون عالة على غيرهم مُضيعين لحقوق من يعولونه جاء الإسلام ليحدد العلاقة بين الإنسان والمال؛ فبين قيمته وطُرق تحصيله ووجوه استعمالاته وإنفاقه ومصارفه وفيما يلي نبذة مختصرة عن ذلك:
أولاً: قيمة المال:
للمال قيمة عظيمة في الإسلام، فبه تقام العبادات كالزكاة والحج والجهاد في سيبل اللَّه، قال تعالى: انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله [التوبة: 41] .
والمال هو الحسب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحسب المال» . [رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني في إرواء الغليل برقم 1870] ، وقال أيضًا: «إن أحساب الناس بينهم هذا المال» [رواه النسائي وحسنه الألباني في إرواء الغليل 1871] ، وهو من مظاهر قوامة الرجل على المرأة، قال تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم [النساء: 34] ، وبالمال يتناكح الناس ويتبايعون ويسافرون من أجله ويرتحلون، وهو يدخل في كل مجالات الحياة، ولعظيم قيمة المال لا يجوز تمكين السفهاء منه، قال تعالى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم [النساء: 5] ، فيجب أن يكون تحت أيدٍ أمينة تقوم برعايته وتنميته. وقد ورد ما يدل على عدم جواز دفع أموال من لا رشد لهم إليهم كما في قوله تعالى: فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم [النساء: 6] ، فجعل الرشد شرطًا لدفع أموالهم إليهم، ومن الأولى عدم جواز دفع أموال غيرهم إليهم مع عدم الرشد، كذلك شرع الحَجْرُ على السفيه الذي لا يُحسن التصرف في ماله لحفظ ماله بما لا يعود عليه بالضرر، إلى آخر ذلك من الأدلة على عظيم قيمة المال في الإسلام وحرمة التعدي على مال الغير إلا بوجه مشروع سواءً كان المال لمسلم أو لكافر، ومن أتلف مال غيره ضَمِنَ ما أتلفه حتى ولو كان صغيرًا أو مجنونًا سواءً ضمنه بالمثل أو بالقيمة، وشُرِعَ قطع يد السارق للحفاظ على المال.
ثانيًا: طرق تحصيل المال:
حَثَّ الإسلام على السعي لكسب المال من وجه مباح والحصول عليه خاليًا من الظلم والتعدي وأكل الأموال بالباطل، قال تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [الجمعة: 10] ، وقال تعالى: وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله [المزمل: 20] ، قال السعدي: «أي علم اللَّه أن منكم مسافرين للتجارة ليستغنوا عن الخلق» . [تفسير السعدي: ص850] ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن يحتطب أحدكم حُزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه» . [أخرجه البخاري 2074، والترمذي 675] .