ولقوله صلى الله عليه وسلم للفريعة بنت مالك:"أمكثي في بيت زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله"، وكذلك المعتدة من الطلاق عند الجمهور لا تخرج من بيتها إلاّ لحاجة ، لقوله تعالى: ( ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ) .
والمرأة ما دامت في دائرة الاختيار فالأصل في حقها مزاولة العمل الذي يتناسب مع قدرتها الجسدية وقدراتها النفسية وطبيعتها الأنثوية ، وتجتهد في تجنب العمل الذي لا يتناسب مع خصائصها ويأكل شبابها وأنوثتها .
ولكن مجرد عدم مناسبة العمل وعدم ملاءمته للمرأة لا يكفي للقول بالتحريم فإن عدم المناسبة معنى عام يشترك فيه المحرم والمكروه وخلاف الأولى ، ويأخذ ذلك العمل غير المناسب حكمه التفصيلي بحسب الأدلة والمفاسد المترتبة على العمل .
فإن قيل: عمل المرأة في مجال الأمن والحراسة لا يتناسب - من حيث الجملة - مع طبيعة المرأة التي تمتاز بالضعف وقلة الجرأة وضعف القلب وتحتاج إلى من يصونها ويحفظها كما قال تعالى ( أومن ينشؤ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ) ، وكما قال الشاعر:
كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول
كما أن الحراسة والعمل الأمني يقوم على القوة واليقظة ويحتاج أحياناً على السهر والمقاتلة والمخالطة والخلوة .
فالجواب من وجهين:
1)عدم المناسبة معنى نسبي يختلف باختلاف الأزمان والأماكن والأشخاص ، فقد يكون العمل مناسباً لشخص ولا يكون مناسباً لشخص آخر ، وقد يكون مناسباً في مكان ولا يكون مناسباً في مكان آخر ، وقد يكون مناسباً في زمان ولا يكون مناسباً في زمان آخر .
2)عدم المناسبة وحده لايكفي للقول بتحريم العمل بجميع صوره وأشكاله ، لأن عدم المناسبة معنى عام يشترك فيه المحرم والمكروه وخلاف الأولى ، فالمحرم غير مناسب ، والمكروه غير مناسب ، وخلاف الأولى غير مناسب .
وقد روى البخاري ومسلم وابن سعد عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت:"تزوجني الزبير وماله في الأرض مال ولا مملوك ، ولا شيء غير فرسه ، قالت: فكنت أعلف فرسه وأكفيه مؤنته وأسوسه وأدق النوى لناضحه ، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير .. حتى أرسل إليّ أبوبكر بعد ذلك خادماً فكفتني سياسة الفرس".
محل الشاهد: هو سياسة الفرس ، ونقل النوى لمسافة بعيدة ، فهو لم يكن عملاً مناسباً للمرأة في الأصل ، لكنه لم يكن أيضاً أمراً محرماً .
والعمل المكروه تسقط كراهته عند وجود الحاجة إليه ، فالمرأة قد تدفعها الحاجة إلى عمل غير ملائم لا يصل إلى درجة التحريم ، فلا حرج عليها في مباشرة مثل هذا العمل .
وقد تخرج الحاجات يا أُم مالك كرائم من ربّ بهن ضنين
فالظاهر أن عمل المرأة في هذه المجالات الأمنية - من حيث هو - لا حرج فيه ، ولكن قد يختلف حكمه باختلاف الظروف المحيطة به ، فإن توفرت الشروط السابقة في عمل المرأة فلا حرج فيه شرعاً ، بل الحاجة والمصلحة العامة قد تدعو إليه ، كتفتيش الناسء في المطارات ، ومراقبة الطالبات في الجامعات ، وحماية النساء في المستشفيات ، ولا بدين عن ذلك إلاّ الإتيان بالرجال أو ترك هذه المواقع بلا رقابة أمنية ، وكلاهما مفسدة لا تأتي الشريعة بإقرارها .
وأما إن تخلّف شرط من الشروط السابقة كالعمل في بيئة مختلطة فلا يجوز شرعاً ..
والله أعلم
المصدر: الوسط نت