فهرس الكتاب

الصفحة 7767 من 9994

إن الإصلاح بين المتخاصمين مهمة جليلة قد فرط فيها كثير من الناس مع قدرتهم عليها، وكثير من الخصومات تكون أسبابها تافهة، وإزالتها يسيرة، وقد توجد رغبة الصلح عند كلا الخصمين، ولكن تمنعهما الأنفة والعزة من التنازل مباشرة، أو المبادرة إلى الصلح بلا وسيط، فإذا ما جاء الوسيط سهل الإصلاح بينهما؛ لرغبة كل واحد منهما في ذلك، فينال الوسيط أجرا عظيما على عمل قليل، ويؤلف بين قلبين متنافرين. وما من أسرة أو قبيلة بين بعض رجالها خلاف وقطيعة إلا وفيها رجال عقلاء يستطيعون السعي في إزالة الخلاف والقطيعة، ولكن التقصير والغفلة تحول دون ذلك.

وما من حارة أو دائرة حكومية أو شركة أو مؤسسة بين بعض أفرادها خصومة إلا وفيها من الرجال الأكفاء من هو قادر على الإصلاح بين المتخاصمين، ولا سيما ذوي الجاه والغنى والمناصب، ولكنهم يقصرون في ذلك من باب عدم التدخل فيما لا يعني حسب ظنهم، وقد صلحت لهم دنياهم فما عليهم لو اختصم الناس، وأكل بعضهم بعضا!! وهذه أنانية مفرطة، وأثرة بغيضة، وحرمان من خير عظيم قد رتبه الشارع الحكيم على إصلاح ذات البين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم [فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] {الأنفال:1} .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه [وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ] {البقرة:281} .

أيها المسلمون:

من تصدى للإصلاح بين الناس فعليه أن يخلص نيته لله تعالى، ولا ينشد ثناء الناس وشكرهم؛ فإن هذه المهمة الجليلة مظنة للسؤدد والرفعة والثناء، وقد يدخل الشيطان من خلالها على العبد فيفسد نيته، والله تعالى يقول في الإصلاح بين الناس: [وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا] {النساء:114} .

وعليه أن يستعين بالله سبحانه على مهمته، ويسأله تأليف قلبي صاحبيه، وإلانتهما لقبول مبادرته؛ فإن القلوب بيده عز وجل يقلبها كيف يشاء، وهو يقربها ويباعدها، ولا عون له في صلحه إلا بالله تعالى.

وعلى الساعي بالإصلاح أن يتحرى العدل في صلحه؛ فلا يميل لأحد الخصمين لقوته ونفوذه، أو لإلحاحه وعناده، فيظلم الآخر لحسابه، فيتحول من مصلح إلى ظالم، ولا سيما إذا ارتضاه الخصمان حكما بينهما فمال إلى أحدهما، وقد أمر الله تعالى بالعدل بين الخصوم في قوله سبحانه [فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] {الحجرات:9} .

وليتسلح في إصلاحه بالعلم الشرعي، أو سؤال أهل العلم ما يحتاج إلى سؤال؛ فإن كان الخلاف على مال أو إرث أو أرض فلا بد أن يعرف حكم الشريعة في ذلك قبل أن يُقْدِم على الصلح، وله أن يُقَرِّب بين الخصمين، ويقنعهما بالصلح، ثم يختار لهما حكما من أهل العلم يرضيانه. وإن كان الخلاف بين زوجين فلا بد أن يعلم بالحقوق الشرعية للزوجين؛ ليتبين الظالم من المظلوم، والمخطئ من المصيب، فينبه الظالم على ظلمه، ويدل المخطئ على خطئه.

ومن فقه المصلح أن يختار الوقت المناسب للصلح، فلا يبادر إلى الصلح عقب التشاتم والتعارك والتقاتل، بل يتربص بقدر ما يسكن الخصمان، ويعودان إلى رشدهما، وتذهب سورة الغضب، وتضعف دواعي الانتقام، فيلقي بمبادرته إليهما.

وعلى المصلح أن يَجِدَّ في قطع الطريق على النمامين ونقلة الكلام الذين يعجبهم أن تسود البغضاء بين الناس؛ فإنهم ينشطون في الأزمات لبث الشائعات، ونقل الكلام، فَيُحَذِّر الخصمين من الاستماع إلى أراجيفهم، ويثبت لهما كذبهم، وما يريدونه من الإفساد والوقيعة بينهما.

وعليه أن يختار من الكلام أحسنه، ويرقق قلبيهما، ويبين لهما حقارة الدنيا وما فيها فلا تستحق أن يتعادى الإخوان من أجلها، ولا أن تقطع القرابة بسببها، ويذكرهما بالموت وما بعده من الحساب، وعليه أن يعظهما بنصوص الكتاب والسنة فإنهما أعظم زاجر للمؤمن، فيذكرهما بأن أعمالهما الصالحة موقوفة عن العرض على الله تعالى، وأنه سبحانه يُنْظرُهما إلى أن يصطلحا؛ كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا) رواه مسلم.

فإن كانت الخصومة بينهما قد أدت إلى قطيعة رحم بيَّن لهما عظيم ما وقعا فيه من القطيعة، وأن الجنة لا يدخلها قاطع، وأن الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله تعالى، ومن قطعها قطعه الله عز وجل كما جاء في الأحاديث.

وإن تهاجرا بسبب خصومتهما ذكرهما بخطر هجر المسلم، وأنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام.

وإن كانت الخصومة بين زوجين بيَّن لكل واحد منهما حقوق الآخر عليه، وذكرهما بقول الله تعالى [إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا] {النساء:35}

فإن احتج أحد الخصمين بأنه نذر أن لا يتنازل، أو حلف على أن لا يصالح، وهذا يقع كثيرا بين الغرماء والمتخاصمين، فيدعوه إلى أن يُكِّفرَ عن يمينه، ويصالِحَ أخاه، ويحتجُ عليه بقول الله تعالى [وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] {البقرة:224} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( هو الرجل يحلف أن لا يصل قرابته فجعل الله له مخرجا في التكفير، وأمره أن لا يعتل بالله وليكفر عن يمينه) وروى أبو هريرة رضي الله عنه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) رواه مسلم.

ولا شك في أن الصلح خير من الشقاق، والصلة أفضل من القطيعة، والمودة أولى من الكراهية.

ومن سعى بإصلاح ذات البين فإنه يجب على الناس تأييده وتشجيعه بالقول والفعل، ومعونته بما يحتاج من الجاه والمال؛ فإن إصلاح ذات البين يعود على الجميع بالخير والمحبة والألفة، كما أن فساد ذات البين يضر المجتمع عامة بما يسود فيه من الأحقاد والضغائن والجرائم والانتقام.

ومن سعى إليه أخوه بالإصلاح فليقبل منه، وليعنه عليه، وليكن خير الخصمين، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.

[رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ] {الحشر:10}

وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم بذلك ربكم

الخطبة الأولى

أما بعد:

فجميل من العاقل ألا يتعامى عن الشر الذي يحيط به، ومحمود فيه ألا يتجاهل الخلل الذي يعرفه من نفسه، وأجمل من هذا كله، وأكثرُ حمداً أن يبادر للعلاج، ويشحذ الهمة في سبيل رأب الصدع وإصلاح العطب .

عباد الله، إننا نتعرض في سيرنا إلى الله للعوارض والصوارف، ونتصادم مع الأعداء المثبطين فما العدة في تلك الحرب، وما السبيل للخلاص من تلك العداوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت