فهرس الكتاب

الصفحة 5613 من 9994

#عام جديد والأدب المفقود مع الله

إعداد/ صلاح عبد المعبود

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده... وبعد:

ونحن نودع عامًا ونستقبل عامًا جديدًا، ما أحوجنا إلى أن نتأدب مع الله جل وعلا، فإن الناظر في أحوال كثير من الناس اليوم ليجد أن كثيرًا من الناس قد أساءوا الأدب مع الله سبحانه وتعالى، فإذا خرجتم إلى الطرقات وجدتم فيها الكاسيات العاريات اللاتي خرجن من بيوتهن متبرجات متعطرات وأغضبن رب الأرض والسماوات، وإذا ذهبتم إلى القبور وجدتم فيها الشركيات، وإذا ذهبتم إلى البنوك وجدتم فيها الربويات، وإذا ذهبتم إلى الجامعات وجدتم فيها الاختلاط بين البنين والبنات، وإذا نظرتم في البيوت وجدتم فيها الصور المحرمات والتليفزيونات التي تعرض الأفلام والمسلسلات التي أفسدت أخلاق البنين والبنات، أسواقنا مليئة بالمخالفات لله عز وجل، كل ذلك وغيره إن دل على شيء فإنما يدل على أن كثيرًا من الناس قد أساءوا الأدب مع الله عز وجل، ذي العزة والجبروت والكبرياء والعظمة.

فما أحوجنا إلى أن نتأدب معه سبحانه وتعالى، بأن يلزم المرء نفسه بمراقبة الله جل وعلا في كل لحظة من لحظات الحياة، حتى يتم لها اليقين بأن الله مطلع عليها، رقيب على أعمالها، عالم بأسرارها، وما أحسن قول سفيان الثوري رحمه الله في هذا المقام: عليك المراقبة ممن لا تخفى عليه خافية، وعليك بالرجاء ممن يملك الوفاء، وعليك بالحذر ممن يملك العقوبة.

وقال ابن المبارك لرجل يوصيه: راقب الله يا فلان، فسأله: ما المراقبة؟ قال: كن أبدًا كأنك ترى الله جل وعلا. وهذا عبد الله بن دينار يقول: خرجت مع ابن عمر إلى مكة، فعرَّسْنا ببعض الطريق، فانحدر إلينا راع من الجبل، فقال له ابن عمر: يا راعي الغنم بعنا شاة من هذه الأغنام، فقال الرجل: أنا مملوك، فقال له ابن عمر: قل لسيدك أكلها الذئب، فقال الراعي: إن قلت ذلك لسيدي وصدقني، فأين الله؟ ماذا أقول لله جل وعلا؟ فبكى ابن عمر، وذهب إلى سيد الراعي فاشترى منه الأغنام، واشترى العبد وأعتقه، وأهدى له قطيع الأغنام. وصدق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . [رواه مسلم]

ومن الأدب مع الله سبحانه وتعالى أن يستحي العبد منه في جميع أحواله، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «استحيوا من الله حق الحياء، من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد اسْتَحْيَى من الله حق الحياء» . [صحيح الجامع برقم 935]

وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك» . [صحيح الجامع برقم 2541]

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كرهت أن يراه الناس منك فلا تفعله إذا خلوت بنفسك» . [السلسلة الصحيحة: 1055]

فمن سوء الأدب مع الله جل وعلا أن لا يستحي العبد من ربه سبحانه وتعالى وهو يراه ويطلع عليه في جميع شئونه، فلو عرف العبد ذلك لاسْتَحْيَى منه وما فكر في معصيته أبدًا.

ومن الأدب مع الله سبحانه وتعالى: أن ينظر المرء ويتأمل ما لله عليه من نعم لا يستطيع عدها ومنن لا يحصيها ولا يطيق شكرها: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [النحل:18] ، إذ ليس من الأدب كفران النعم، وكل نعمة صغرت أم كبرت فمنه وحده سبحانه لا من أحد سواه، وما بكم من نعمة فمن الله [النحل:53] ، فهو المتفضل على عباده بالرزق والعطاء فهل شكروه على ذلك، وعرفوا فضله ومَنَّهُ وَكَرَمَهُ: ما لكم لا ترجون لله وقارا (13) وقد خلقكم أطوارا [نوح:13، 14] ، فالمسلم يتأدب مع ربه سبحانه وتعالى بأن يجعل لسانه يلهج دائمًا بحمده وبالثناء عليه، ثم يستعمل جوارحه وأعضاءه في طاعته وعبادته.

ومن الأدب مع الله سبحانه وتعالى: أن يحفظ المرء حدود الله وحقوقه وأوامره ونواهيه، ويكون ذلك بالوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوزها ولا يتعداها، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لابن عباس يوصيه: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» . [صحيح الجامع برقم 7957] قال ابن رجب رحمه الله: «من حفظ حدود الله وراعى حقوقه حفظه الله، فإن الجزاء من جنس العمل» . اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت