فهرس الكتاب

الصفحة 8756 من 9994

هذهِ مواقفُ رجالٍ ورجالْ، مواقفٌ تباينتْ ما بينَ المشرقِ والمغربِ، مواقفٌ سُجِلت بمدادٍ من نورٍ، ومواقفٌ أصبحتْ عاراً في جبينِ الأمةِ، مواقفٌ يتفاخرُ بهَا أهلُ الإسلامِ على مدارِ الزمان،ِ ومواقفٌ تجلبُ الحُزنَ والأسىَ كلَّمَا سنحتْ في ذاكرةِ أهلِ الإيمان،ِ أناسٌ أصبحَ همُّ الأمةِ وإصلاحِ أوضاعَها جاثماً على قلوبهمْ، آخذاً بمجامعِ أفئدتهمْ وأفكارهمْ، وأناسٌ أصبحُوا أداةَ تحركٍ لتحطيمِ الأمةِ ومقدَّراتهَا.

فمن أيْ الرجالِ تكونُ أنتْ ؟! ومن أي المواقفِ موقفكَ ؟!!

لا تقلْ هذه مواقفُ أمراءُ ووزراءُ، فقد كانَ هؤلاءِ لا شيءَ ولكنْ بجهدهمْ الدؤوبْ ، وعملهُم المتواصلُ أصبحوا شيئاً مذكوراً .

هذهِ الأمةُ اليومَ على مفترقِ طرقٍ، وتعاني أَلَمَ الاحتضارِ،فيَا تُرَى ما موقفكَ تجاهَها ؟!! هلْ أخذَ الهمُّ بمجامعِ قلبكَ، فإذَا بكَ تَقْلِبُ حياتكَ كلَّهَا سُخْرَةً لدينكَ، ونُصْرَةَ ملتكَ، والدفاعَ عن عقيدتكَ ؟!! أمَّا أنكَ لا تزالُ غارقاً في بحرِ أمانيك،َ سابحاً في محيطِ الشهواتِ والمليهاتِ، لا همَّ لكَ إلا جمعُ الحطامِ الفاني !!

إنَّهُ لا يُرضَى لكمُ أن تكونُوا رجالاً لا يُهمُهمْ إلا المصالحَ الشخصيةَ، والرفاهيةَ الفرديةَ؟؟ ، وأن يكونُوا ذلكَ الساقط الهمةِ الذي ذمَّهُ الشاعرُ بقولِه:

لحَا اللهُ صعلوكاً مناهُ وهمُّهُ من العيشِ أنْ يلقىَ لبوساً ومطعمَا

ويَا ليتَ شبابَ الإسلامِ بلغُوا في علوِّ همتهمْ ، وطموحهمْ مبلغَ الشاعرِ الجاهلي امرئُِ القيسْ حيثُ قالَ:

ولو أنِني أسعىَ لأدنىَ معيشةٍ كفانِي ولمْ أطلُبْ قليلاً من المالِ

ولكننِي أسعىَ لمجدٍ مؤثلٍ وقد يُدركُ المجدَ المؤثَّلَ أمثاليِ

إنَّ المجدَ المؤثلَ أيُّهَا الأخوةُ، وهو الذي يحلمُ به الشاعرُ الطموحُ ، هو الذي نشدهُ عمرُ بن عبد العزيز ، فأدركهُ ، وسعىَ لهُ طارقُ بنُ زيادٍ ومحمدُ بن القاسمِ الثقفيِّ فوصلاَ إليهِ، وهو الذي يليقُ أن يكونَ غايتكُم المنشودةَ ، إنَّكمْ بحقٍ أحقُ الناسِ بأنْ تضحُوا برفاهيتكمْ ، وترفكمْ وأمانيكمْ المعسولةَ في سبيلِ الإسلامِ ، وفي سبيلِ المصلحةِ العامةِ ، والسعادةِ البشريةِ ، وتنضمُّوا إلى الرايةِ المُحمديةِ ، التي اختارهَا اللهُ لكمْ راية ، واختاركمْ لهَا أمةً وجنداً إلى آخرِ الدهرِ (( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) ) (الحج:78) .

[1] - انظر •صحوة الرجل المريض ص ( 273 ) .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .

إخوة الإيمان:

وكما يحرصُ المسلمُ على معرفةِ أسبابِ الهداية، فهو حريصٌ كذلك بل هو أحرصُ على معرفةِ عواملِ الثباتِ على دين الله، ذلك لأنَّ الثباتَ على دينِ الله حتى الممات هو ثمرةُ الهداية، وهو الضمانُ بإذنِ اللهِ للحصولِ على الجنَّةِ والمغفرة، وما أتعسَ المرءُ وأقلَّ حظَّهُ!! حين يذوقُ طعمَ الإيمانِ ثمَُّ هو يرتدُّ بعد إلى حماةِ الكفرِ بالله- والعياذ بالله- ولذا كانت عاقبةُ المرتد وخيمة، ونهايتهُ أليمة، والنبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: (( من بدَّلَ دينه فاقتلوه ) ) [1] الحديث رواه أحمد والبخاري وغيرهما، عن ابن عباسٍ- رضي الله عنهما- (صحيح الجامع 5/264) ما أحوجَ المرءِ في زمانِ الغُربة!! إلى التعرفِ على عواملِ الثبات بعد معرفتهِ لأسبابِ الهداية إلى الصراطِ المستقيم، وذلك لفسادِ الزمان، وندرةِ الإخوان، وضعفِ المُعين، وقلةِ الناصر، بل ولكثرةِ حوادثِ الردةِ والنكوص على الأعقاب، وليس بالضرورةِ أن تكونَ الردةُ ردةً معلنةً صريحةً عن الإسلام، فإنَّ قبولَ بعضُ أحكامِ الإسلام، ورفض أحكامٍ أخرى، أو الإيمانُ بشيءٍ ممَّا نزل على محمد- صلى الله عليه وسلم- والعمل به، ورفضُ شيءٍ آخر من دينِ الله، هو ردةٌ عن الدين، و نكوصٌ عن الحقِّ الذي نزلَ به المرسلون- عليهم السلام- والإسلامُ كلٌ لا يتجزأ، والشريعةُ حقٌ كلُّها، وهي منظومةٌ لا يُمكنُ الفصلُ بينهما، وقد حكمَ اللهُ بكفرِ الذين يقبلون بعضها، ويرفضون بعضها الأخر، فقال تعالى: (( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ) [2] .

إنَّ العلمنةَ بكافةِ ألوانها وصورها- هي ردةٌ عن دينِ الله، وكيف لا يكونُ كذلك، وهي أسلوبٌ ماكرٌ لتنحيةِ الدينِ عن الحياة، وأنَّ العلمانيين مهما اختلفت أسماؤُهم، أو تباينت لغاتهم، أو تباعدت ديارهم، هُم أُولئك النفرُ الذين يحاولون فصلَ الأمةِ عن دينها وتاريخها، ويُلبِّسُون عليها دينها، هُم دعاةٌ على أبوابِ جهنم.

وفي ظِلِّ هذا التشكيكِ الخفي في دينِ الله، تبرزُ الحاجةُ إلى معرفةِ عواملِ الثبات، بل وفي ظلِّ مُغرياتِ الحياةِ الدنيا، واختلاطَ الحقِّ بالباطل، وضعفَ اليقين وغربة الدين، وندرةَ الصالحين، تكونُ الحاجةُ أشدَّ للوقوفِ على عواملِ الثبات.

فإذا أضيفَ إلى هذه العواملِ أنَّ الهدايةَ والثبات مردُّها بإذنِ الله إلى القلب، وهي متعلقةً به، وهو من أكثرِ الجوارحِ تقلباً، حتى قال فيه الصادقُ المصدوق -صلى الله عليه وسلم-: (( القلب ابن آدم أشدُّ انقلاباً من القدرِ إذا اجتمعت غلياناً ) ) [3] .

ويقول- عليه الصلاة والسلام-: في حديثٍ آخر: (( إنَّما سُمي القلب من تقلبه، مثلُ القلبِ كمثلِ ريشةٍ في أصلِ شجرة يُقلبُها الريحُ ظهراً لبطن ) ) [4] .إذا كان كذلك، عُلم مدى الحاجةِ إلى معرفةِ عواملِ الثباتِ بعد معرفةِ أسباب الهداية، وإليكَ أخي المسلمُ بعضاً من الأُمور التي تُعينُ- بإذنِ الله- على الثبات على الحق، أسألُ اللهَ أن يثبتني وإيَّاكم وإخواننا المسلمين على الحقِّ، إنَّهُ جوادٌ كريم.

1-العاملُ الأول: الاعتصامُ بالكتابِ والسنةِ، والتمسكُ بما فيهما علماً، فالقرآنُ الكريم حبلُ اللهِ المتين، والسنةُ النبوية مكملةً للقرآن وشارحةً له، تُفصلُ ما أجمل، وتُفسرُ ما أشكل، وهما جميعاً نورٌ وضاء، يهتدي بنورهما أُولو الألباب، وما فتئَ المصطفى- صلى الله عليه وسلم- يدعو أمتهُ

للتمسكِ بهما، والرجوعُ إليهما، حتى وافاهُ اليقين، ومما قالهُ- عليه الصلاة والسلام- (( تركت فيكم أمرينِ لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتابُ الله وسنةُ رسوله ) ) [5] .

وهكذا فكلمَّا كان التزامُ الأُمةِ بالكتابِ والسُنة قوياً، كان ثباتها على الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت