أيها المسلمون، ومن أسباب مغفرة الذنوب في شهر رمضان المبارك الصيام، فعند البخاري ومسلم قول الرسول: (( من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدّم من ذنبه ) ). فمن صام رمضان إيمانًا بالله ورضًا بفرضية الصوم عليه واحتسابًا لثوابه وأجره ولم يكن كارهًا لفرضه ولا شاكًّا في ثوابه وأجره فإن الله يغفر له ما تقدّم من ذنبه.
أيها المؤمنون، ومن أسباب مغفرة الذنوب في شهر رمضان المبارك القيام، يقول الرسول في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم: (( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدّم من ذنبه ) ).
ومن أسباب مغفرة الذنوب في شهر رمضان المبارك قيام ليلة القدر، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدّم من ذنبه ) )رواه البخاري ومسلم.
يقول الله تبارك وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شهر رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:183-185] .
بارك الله لنا في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، فيا فوز المستغفرين، ويا نجاة التائبين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله.
كان السلف الصالح يشتاقون إلى شهر رمضان، ويدعون الله ستة أشهر من عامهم أن يبلّغهم رمضان، فإذا بلّغهم إياه قاموا بحقّه خير قيام، وقاموا يعبدون الله فيه خير عبادة، ثم إذا ختموه دعوا الله في باقي عامهم أن يتقبّل منهم ما قدّموا فيه من أعمال صالحات وفعل للطاعات، فكأنّ عامهم كله شهر رمضان المبارك.
فيا من فرّط في ثلث الرحمة، وتساهل في ثلث المغفرة، فحذارِ حذارِ من التشاغل عن ثلث العِتْق من النيران.
أيها المؤمنون، ومن أسباب مغفرة الذنوب في شهر رمضان المبارك بلوغ آخر ليلة من شهر رمضان المبارك، وذلك إذا قام العبد المسلم بصيامه يوفّيه الله أجره عند إنهاء عمله، يقول رسول الإسلام: (( ويغفر لهم في آخر ليلة ) )، قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: (( لا، ولكنّ العامل إنما يُوفَّى أجرَه إذا قضى عمله ) )رواه أحمد.
ومن أسباب مغفرة الذنوب في شهر رمضان المبارك أنّ الملائكة تستغفر للصائمين حتى يفطروا، يقول النبي: (( وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ) )رواه أحمد.
أيها المسلمون، إن من رحمة الله تبارك وتعالى أن أخّرَنا لبلوغ هذا الشهر، وأمهلنا فلم يتخطّفنا الموت كما تخطّف أناسًا غيرنا، ولو تأمّلنا قليلاً في حال بعض أقاربنا أو أصحابنا لأدركنا عظم نعمة أن يبلّغنا ربّنا هذا الشهر الكريم، وما يدرينا هل نبلغه العام القادم أم لا. وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34] .
سئل الرسول: أي الناس خير؟ فقال: (( من طال عمره وحسن عمله ) )، وسئل أيضًا: أيّ الناس شرّ؟ فقال: (( من طال عمره وساء عمله ) )رواه مسلم. فمن نعم الله علينا أن مدَّ في أعمارنا، ووفّقنا لإدراك هذا الشهر العظيم، فكم غيَّب الموت من صاحب، ووَارَى الثرى من حبيب. فإن طول العمر والبقاء على قيد الحياة فرصة للتزوّد من الطاعات والتقرب إلى الله عز وجل بالعمل الصالح والعبادات.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:133-136] .
أيها المسلمون، اعلموا أن الله تعالى قد أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثَنَّى بملائكته، وثَلَّثَ بالمؤمنين، فقال عز من قائل سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صلِّ وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين...
الخطبة الأولى
أما بعد..
فاتقوا الله أيها المؤمنون واحذروا أسباب سخطه وموجبات عقابه فإن عذاب الله إذا جاء لا يرد عن القوم المجرمين فذروا عباد الله ظاهر الإثم وباطنه صغيره وكبيره لعلكم تفلحون ألا وإن من كبائر الإثم وعظائم الذنوب ظهور الزنى وتيسير أسبابه وسبله فإن ظهور الزنى من أمارات خراب العالم وفساد نظام الكون وقرب قيام الساعة ففي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: (( من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل ويظهر الزنى ) ) (1) .
عباد الله أيها المؤمنون إن ظهور الزنى وتيسير تحصيله وانتشار أسبابه من أعظم أسباب غضب الله ومقته، وعاجل عقوبته ففي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم لما كسفت الشمس: (( يا أمة محمد والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ) ) (2) . فدل هذا على أن فاحشة الزنى تغضب الجبار وتقصم الأعمار وتخرب الفيافي والقفار فهي من أعظم أسباب الفقر والدمار.
أيها المؤمنون إن فاحشة الزنى من أعظم أسباب ظهور غريب الأدواء وجديد الأمراض ومنكرات الأسقام فإنها لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا كما قال صلى الله عليه وسلم وها نحن اليوم نشاهد صدق ما أخبر به من لا ينطق عن الهوى فها هي معضلات الأمراض ومنكرات الأدواء تنتشر في بلاد الإباحية والفجور أعيت مهرة الأطباء وحيرت الخبراء وصدق الله ومن أصدق من الله قيلاً: ?وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً? (3) .