فهرس الكتاب

الصفحة 4412 من 9994

#حال السلف مع القرآن

الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

الناظر إلى أحوال أمة الإسلام يرى كثيراً من البشائر ، ويلمح عدداً من المبشرات .. من أوبة صادقة إلى الإيمان ، ورجعة حقيقية إلى الإسلام ، ولهج بذكر الله - سبحانه وتعالى - إلى غير ذلك من صور عديدة ، غير أن ذلك أيضاً لا يجعلنا نظن أن كل أسباب القوة قد حصلت ، وأن جميع صور العودة والرجعة الصادقة قد تحققت ؛ فإن في الأمة ضعفاً ظاهراً ، وإن في صفوفها خللاً بيّناً ، وإن هناك عديدٌ وعديد من الأسباب والصور التي لا تتفق مع ما ينبغي أن تكون عليه الأمة .

وقد أسلفنا فيما مضى شيئاً من الحديث الذي ربط الماضي بالحاضر ؛ لنكتشف من وهج الماضي وضياءه بعض ظلمة الحاضر ، ولنرى فيما مضى ما يصلح بإذن الله - عز وجل - ما نحن فيه .

ولعلنا نتساءل كما تساءل إخواننا: أين الطريق ؟ وما هو الحل ؟ وكيف يكون الإصلاح وبعث الأمة من جديد وعودتها إلى سالف مجدها ؟ ولعل الجواب يضرنا جميعاً وهي كلمات قليلة يسيرة ألفناها وسمعناها كثيراً حتى صرنا كأننا لا نقنع بها ، ونطلب غيرها أو نظنها شيءٌ يقال لتهدئة الخواطر ، أو لدغدغة العواطف لا أقل ولا أكثر ، ونحن كلنا نقول: إن الحل والبعث والعودة والنهضة في الرجعة إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -: ( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي ) .

لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ، وهذا الكلام لو زدت فيه ما زدت ؛ فإنه محفوظٌ عندكم بهذه الألفاظ مكرور عندما يأتي هذا السؤال ولكننا نريد أن نقف وقفات نهدف منها إلى شيءٍ من الوضوح والصراحة ، وإلى بعض من التنقيب والتنقير عن وجوه الخلل والنقص ؛ فإن القرآن كما هو بين أيدينا ما تغير منه لفظٌ واحد ، ولا حرف واحد ، ولا حركة واحدة ، وإن سنة محمد - صلى الله عليه وسلم - بين أيدينا ترسم لنا من حياته ما يجعلنا كأننا نراه رأي العين وكأننا نبصره - صلى الله عليه وسلم - في غدوه ورواحه ، وسلمه وحربه ، وفي بيته ومع أصحابه ، كأننا نعيش معه - عليه الصلاة والسلام - بل ربما قد تهيأ للأمة اليوم من انتشار القرآن كتابةً وسماعاً ، وكذلك السنّة ما لم يتهيأ لها في ظروف سابقة ، وتواريخ ماضية .

ونهدف أيضاً إلى أن نحرّك العواطف والمشاعر ، وإلى أن نحاول أن نغزو القلوب والنفوس ؛ لينبعث فيها ذلك الشعور الذي انبعث في صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وسرى في أوصال الأمة وجرى مع الدماء في العروق فغيّر كل شيء في هذه الحياة ؛ لأنه غيّر كل شيء في تلك النفوس: { إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } .

ونهدف كذلك أيضاً إلى مخاطبة العقل الذي ربما ألمّ به في عصرنا الحاضر من الشبهات ما جعله في بعض الحيرة والتردد ومن إكثار القول من أهل الباطل حتى تشكك الناس في الحق الذي بين أيديهم ، وربما التمسوا لهذا التشكك حينئذٍ أبواباً يبحثون فيها أو من خلالها عن حلول أخرى ،وعن سبل أخرى غير ما جاء في كتاب الله ، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يكون ثمّة جديد إلا أن نقول: إن الحل والنهضة والعودة بالكتاب والسنة وإلا أن نقول: بأن قوة الأمة ووحدتها وعزتها لا تكون إلا بما كانت عليه هذه الصور والمظاهر كلها عبر تاريخ الأمة .

ولنا وقفات مع القرآن الكريم ، ومن بعدها وقفات أخرى مع سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .

نحن نريد أولاً أن نقف مع القرآن في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -- والرعيل الأول ؛ لننظر إلى الصورة المؤثرة المغيِّرة التي جاء بها القرآن ، فغيّر وجه الأرض ، وغيّر القلوب والنفوس ، وغيّر الأفكار والعقول ، وغيّر الألفاظ والكلمات ، وغيّر مع ذلك الأفعال والسلوكيات ، فكان له الأثر الأعظم الذي كان هو القائد والموجه ، ليس للفرد وحده ، ولا للأسرة وحدها ، ولا للمجتمع لوحده وإنما كان الموجه للأمة في مجموعها ، في كل شأن من شؤونها صغيراً كان أو كبيراً .

ثم سننتقل إلى ما بعد ذلك - بمشيئة الله تعالى - ، فلننظر إلى حال الأمة العربية التي نزل فيها هذا القرآن كيف كانت عقولاً سخيفة ، وأفكاراً ضالة ، ومناهج منحرفة ، كان ضلال العقل فيها يتجسد في كل صغيرة وكبيرة من مناحيها ، أليست كانت تسجد للأصنام من حجرٍ وهي التي صنعتها ؟ أليست كانت تسجد للأصنام من تمرٍ وهي من بعد تأكلها ؟ أليست كانت ترى أن لإنسانٍ على إنسان شرفاً وفخراً بلون أو بحسب أو بمال أو بجاه ؟ أليست .. أليست .. إلى غير ذلك من صور كثيرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت