قد يقول قائل: ولكن الوحدة لم تدم طويلا، فسرعان ما نشأت دول مستقلة في المشرق وفي المغرب. بل وفي مصر والشام بإزاء الخلافة العباسية في بغداد. وكذا الشأن أيام الدولة العثمانية.
وأنا لا أجيب جوابا تقليديا، لأقول: ولكنها تجربة امتدت لقرون من الزمن،وما حدث من تفرق كانت له عوامل داخلية وخارجية....
ولكن أقول: أيام التنقل على الإبل، وعدم وجود وسائل الاتصال التي نشاهد نماذج عجيبة لها في هذه الأيام.
كيف كان عمر بن الخطاب أو عثمان بن عفان- رضي الله عنهما- يدير الأمور في مشارق الأرض ومغربها من قلب جزيرة العرب في المدينة النبوية؟!
أم كيف كان معاوية- رضي الله عنه-، أو عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- يدير مشارق الأرض ومغاربها من قلب الشام ودمشق؟!
وكيف استطاع هؤلاء أن يحكموا سيطرتهم على تلك البلاد البعيدة الشاسعة المتعددة في أعراقها ولغاتها؟!
إنها العقدة التي حملها الرجال الأمناء، من أمراء وقواد الأقاليم، فصار كل واحد منهم نموذجا للخليفة العادل في دار الخلافة، ثم إنها المحاسبة القوية- ذات الميزان الشرعي- التي يحاسب بها هؤلاء. ولو تحققت هذه الوسائل الحديثة لعمر ابن عبد العزيز أو لهارون الرشيد- رحمهما الله تعالى- كيف ستكون النتائج بعد استخدامها؟
إن الشيء الذي أردت أن أقوله هنا: إنها وحدة قامت على عقيدة صافية انبثقت منها شريعة كاملة طبقها رجال أمناء يريدون بأعمالهم وجه الله والدار الآخرة.
وأي وحدة تبنى على غير هذا، فلن تكون إلا وحدة مصالح سرعان ما يُقضى عليها إذا تبدلت المصالح.
الثانية: من القضايا الكبار: أن العقيدة تجمع ولا تفرق.
فتأصيل العقيدة وجعلها أساسا في الدعوة إلى الله تعالى وذلك على منهاج السلف الصالح، كما أنه واجب دلت على وجوبه النصوص، وهو منهاج الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- فإنه أيضا من أعظم وسائل جمع الكلمة.
والمدعوون- إذا ما وحدت بينهم عقيدة صحيحة صافية-، فلن تجد أسباب التفرق إليهم من سبيل؟ لأن تلك الأسباب ستتكسر أمام صخرة العقيدة الصلبة. ولكم يحزنني حين أسمع- أحيانا- مقولة مثل: لا تركزوا على العقيدة أولا؟ لأنها تسبب الفرقة، بل اقتصروا على الدعوة العامة إلى الإسلام. ومما يزيد في حزن الإنسان، أنه قد يسمع مثل هذا الكلام من أناس فضلاء ومن دعاة إلى الله.
ونحن نقول: على أي أساس ستقوم الدعوة، إذا لم تقم على العقيدة؟!
ولأي شيء يدعو الداعية إلى الله؟ إن هناك عددا من الحقائق:
أولها: أن اجتماع المسلمين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده، لم يكن إلا على عقيدة، قال تعالى: )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (آل عمران: من الآية103) وقال تعالى: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لأنفال:63)
فما هو حبل الله، وعلى أي شيء ألَّف بين تلك القلوب؟ إنه العقيدة القائمة على إخلاص التوحيد ونبذ الشرك.
ثانيها: إننا إذا أردنا الوحدة الحقيقة الباقية فلنؤصل دعوتنا على العقيدة- وأعني العقيدة السلفية الصافية المبرأة من بدع المبتدعين وانحرافات المنحرفين.
ثالثها: أن القبول بالانحراف في البداية. هو بمثابة دق مسمار في نعش الوحدة المطلوبة.
انظر: الثورة العربية (14) . ـ [1]
أولاً: إن الدفاع عنها يجري ضمن الدفاع عن مذهب السلف الصالح الضاربة أصوله منذ عهد الصحابة الكرام _رضي الله عنهم_، فهو شبيه بالنهر الجاري الدائم الذي ينهل منه ويزرع ويركب من وفقه الله لذلك، فليُحذر كل الحذر من تلك المحاولات التي تريد حصرها في شيخ معيّن أو بلد معيّن؛ لأن مذهب السلف هو مذهب الأمة كلها.
ثانياً: التهم التي نسمعها هذه الأيام - ومن المؤسف أن بعضها قد يأتي ممن ينتسب إليها- ليست جديدة، وإنما هي اختصار وتكرار لجملة من التهم الباطلة، قيلت وألّفت فيها كتب منذ أكثر من مائة عام، ولم يكن لها والحمد لله تأثير كبير في الصد عن دعوة السلف الصالح التي تقع دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ضمن حلقة عظيمة من حلقاتها.
ثالثاً: يتولى كبر الهجوم على هذه الدعوة - والذي يقع ضمن الهجوم على دعوة ومنهج ومذهب السلف الصالح - الفئات التالية:
1-التيار العلماني - على مختلف مدارسه - وهذا التيار حاقد في الحقيقة على الإسلام، لكنه يتخذ من الهجوم على دعوة الشيخ المجدد تكئة للهجوم على ثوابت الأمة وأصول دينها وشريعتها.
2-أهل البدع - مغلظة وغير مغلظة - وعلى رأس هؤلاء الرافضة والصوفية وغيرهم.
3-العصرانيون وأصحاب المدرسة العقلانية، وهؤلاء يرون - كأسلافهم المعتزلة - في مذهب السلف تشدداً وتحجراً وعدم مواكبة للعصر، ما علم هؤلاء أن هذه مجرد تهم لا دليل عليها، وأن من حقائق هذا الدين ألا تعارض بين العقل الصريح والنقل الصحيح، وأنه لا صراع بين العلم الصحيح ودين الإسلام، وأن التمسك الصحيح بمذهب السلف هو أكبر داع لقوة الأمة وأخذها بالأسباب المادية النافعة.
4-مجموعة من الطيبين ركبوا الموجة - كما يقال - وصاروا يرددون بعض ما يقال من تهم موجهة لمذهب السلف ولهذه الدعوة، دون أن يدركوا حقيقة الصراع، وأن هجومهم مع الأعداء على هذه الدعوة يرتد إليهم في النهاية.
رابعاً: وأخطر ما في هذه الجملة على هذه الدعوة حين يردد البعض التهم التي ينقلها عن غيره دون حجة أو دليل أو برهان، فمن المؤسف أن البعض في وسائل الإعلام أو في غيرها يكيل التهم جزافاً مقلداً غيره.
وهنا أحب أن أعلق على هذه الحالة بما يلي:
1-لقد عشنا - تعليماً وتدريساً وكتباً ودروس مشايخ - على هذه الدعوة عشرات السنين، فهل من المعقول أن يكون في هذه الدعوة تلك التهم الكبرى المشتملة على ألوان من الغلو والتشدد والتكفير والدعوة إلى قتل المسلمين، ومخالفة إجماعهم وأصولهم، ومباينة سلفهم الصالح... إلخ، ولا يكتشف هذا أحد من جهابذة العلماء الذين عرفتهم هذه الدعوة على مدار تاريخها؟ ثم يأتي بعد سنين طويلة مجموعة من أهل الأهواء والبدع والعلمنة والجهلة ليكتشفوا هذا الداء العضال؟
2-هذا الهجوم أتى ضمن مسلسل عالمي للهجوم على الإسلام واقتلاع جذوره وأصوله وتجفيف منابعه، وهذا واضح كالشمس يعرفه كل أحد، ويقود هذه الحملة اليهودية والصليبية العالمية، ويعاونهم في بلاد المسلمين طائفتان:
إحداهما: العلمانيون والمنافقون الذين اهتبلوا الفرصة للانتقام وبث الأحقاد الدفينة.
الثانية: أهل البدع الذين تقاطعت مصالحهم مع الصليبيين فرأوها فرصة للانتقام من أعدائهم السنة.
وسار في ركب هذه الموجة طائفة من المنهزمين المنتسبين إلى هذه الدعوة - والله المستعان -.
3-أختم بهذه الرسالة المهمة: وأقول للجميع: لماذا نستعير عقول غيرنا ونردد ما يقولون. دعوا هذا كله وارجعوا إلى كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب واقرؤوها، هل فيها هذه التهم؟ إنني على يقين أن القارئ لها لن يجد شيئاً من ذلك، وإنما سيجد فيها القول المحقق، والدليل الواضح والنقل عن سلف هذه الأمة.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
الخطبة الأولى