وتأييد الله لنبيه بالمعجزات في هذه الغزوة يتوالى، تثبيتًا للمؤمنين وتخفيفًا لمصابهم، فيدعو رسول الله بجلل ويبسطه ويأمر الناس أن يأتوا بأزوادهم وطعامهم وهم في طريقهم، وبعضهم لا يملك إلا تمرة أو اثنتين يمصهما، فيجتمع زاد قليل، فيدعو له الرسول بالبركة ثم يقول لهم: (( خذوا أوعيتكم ) )، فيأخذون حتى ما تركوا في المعسكر وعاءً إلا ملؤوه، وأكلوا حتى شبعوا وزاد عنه، فعندما رأى ذلك رسول الله قال كما في مسلم وغيره: (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بها عبد غير شاك فتحجب عنه الجنة ) ).
ويأتون عين تبوك وبها قليل من الماء، فيغرف لرسول الله منها، فيغسل يديه ووجهه، ثم يعاد الماء المغسول إليها، فتجري العين بماء منهمر كما في مسلم، ويصل النبي تبوك ومعه ثلاثون ألفًا من المسلمين، ولكن لم يلق كيدا، واندحر الروم إلى داخل ديارهم، وضرب الجزية على أهل تلك الديار، وأهدى له أكيدر دومة الجندل حلّة عجيبة، تعجب منها الصحابة، فقال رسول الله لصحابته مزهدًا إياهم في الدنيا: (( أتعجبون من هذه؟! والذي نفسي بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذه ) ).
ويعود وصحبه إلى المدينة منتصرين مظفرين، تلكم ـ يا رعاكم الله ـ هي الغزوة، والعبر فيها كثيرة، والدروس فيها عظيمة، والدرس الجامع في ذلك والمسلمون يمرون بالظروف المعاصرة والمتغيرات المتسارعة الدرس الجامع يكون محراب الجهاد.
من محراب الجهاد تنطلق قوافل المجاهدين والشهداء، وبالجهاد تردّ عاديات الطغيان فيكون كلّه لله، جهاد بالمال والنفس وباللسان والسّنان، ويبقى دين محمد مصدقًا لما بين يديه من الحق ومهيمنًا عليه، ولقد كان فرار الروم في تبوك وهم البادئون ولجوؤهم إلى التحصن داخل بلادهم وهم أعظم قوم في عالمهم ذلك اليوم لأعظم دليل على أن قوافل المجاهدين المؤمنة الصادقة منصورة بالرعب من مسيرة شهر، ولهو ـ وربي ـ أقوى دليل على أن أيّ قوة لعدو المسلمين مهما عظمت فلا تقف في طريقهم متى صدقوا الله، نعم متى صدقوا الله.
سمير بن عبد الرحمن عبدات
دالي إبراهيم
النصر
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-سبب غزوة تبوك. 2- تجهيز الجيش. 3- ظروف الغزوة. 4- تحرك الجيش إلى تبوك وما حصل في الطريق. 5- انتصار المسلمين وعودتهم إلى المدينة. 6- المتخلفون عن الغزوة. 7- دروس وعبر من غزوة تبوك.
الخطبة الأولى
في السنة التاسعة من الهجرة بلغ المسلمين وهم في المدينة النبوية أنّ هرقلَ عظيم الروم قد جهّز جيشًا قِوامُه أربعون ألفَ مقاتل، يريد غزوَ المسلمين في ديارهم، فرأى النبي أنه لا بد من القيام بغزوةٍ فاصلة يقوم بها المسلمون ضدّ الرومان في حدودهم قبل أن يبلُغوا ديارَ المسلمين، فخطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناسَ، وأمرهم أن يتجهّزوا للقتال، وبيّن لهم خطورةَ الموقف وشِدّته ليتأهّبوا له أهبَتَه، ثم حثّهم على الجهاد ورغّبهم في بذل الصدقات وقال: (( من يجهّز جيشَ العسرة وله الجنّة؟ ) )فقام عثمان وطرَح تجارته كلَّها التي جمعها من صِباه بين يدَي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: أنا أجهّز جيشَ العسرة يا رسول الله، فدمعت عينا النبيِّ ثم قال: (( اللهم اغفر لعثمان ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ) )، فقال الناس: آمين، ثم أخد الناسُ يتصدّقون: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف والعباس بن عبد المطلب وطلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة وخلق كثير غيرهم.
وكان أوان هذه الغزوةِ في حرٍّ شديد شديد يشوي الظليم وهو ذكر النّعام، وتتلمّظ منه الحيّة، فعرِفَت هذه الغزوة بغزوةِ العُسرة لأنها جاءت في فصل الحرّ وقد نضجت الثّمار وامتدّت الظّلال وعذُب الماء، ثم مع ذلك كانت المسافةُ إلى تبوك بعيدةً والمشقّة في السفر إليها متحقِّقة.
ثم تحرّك الجيش يريد تبوك، وقد بلغ تعدادُه ثلاثين ألفًا في جمع كبيرٍ ما شُهِد مثلُه في جيوش المسلمين من قبل، حتى إن المسلمين لم يستطيعوا تجهيزَه تجهيزًا كاملا رغم كلّ ما بذلوه، فأكلوا في طريقهم أوراقَ الشجر حتى تورّمت شفاهُهم، وكان ثمانيةَ عشرَ رجلا يعتقِبون بعيرًا واحدا، حتى إن جمل أبي ذرّ قد تثاقل عن حمله، فنزل عنه أبو ذر وحمل متاعَه على ظهره وأخذ يمشِي على قدمَيه والأرض قد التهبَت حرًّا يريد أن يدركَ النبيَّ ، ولا عجبَ فإنّ ذلك كان نابعًا من قوة إيمانهم وتحقّق يقينهم بما وعد الله تعالى المجاهدين في سبيله من الفضل الكبير والأجر العظيم.
وفي الطريق عسكَر الجيش الإسلاميّ، فافتقد النبيّ كعب بنَ مالك وكان من خِيرةِ الرجال فقال: (( أين كعب بن مالك؟ ) )فقال رجل يحسَب من المنافقين: أَلهَاه النظرُ في بُرديه أي: ثوبيه، فقام معاذ بن جبل فردّ عنه وقال: ما علِمنا عنه ـ يا رسول الله ـ إلاّ خيرًا، إنه لمؤمِن صادقٌ مجاهد، ثم واصل الجيش مسيرَه فلمّا بلغ أرضَ تبوك عسكَر هناك، وقام النبيّ فيهم خطيبًا، فخطب خطبةً بليغة حضَّ فيها على خيرَي الدنيا والآخرة، وحذّر وأنذر، وبشّر وأبشر، فجبر نقصَهم ورفَع معنوِيّاتهم.
فلمّا سمع الرومان وحلفاؤهم بزحف رسول الله أخذهم الرعبُ، فلم يجترئوا على التقدُّم واللقاء، بل تفرّقوا في البلاد خائبين خاسِرين، وأعزَّ الله جندَه، فقفلوا راجعين مظفرين منصورين لم ينالوا كيدًا، وكفى الله المؤمنين القتال. وفي طريق العودة حاول اثنا عشرَ رجلا من المنافقين الفتكَ بالنبي ، فأحاطوا به عند عَقَبة وهم متلثِّمون، فردّ الله كيدَهم، وأحبط تدبيرَهم، ففرّوا هاربين مرعوبين وقد همّوا بما لم ينالوا كما قال الله عز وجلّ.
وبلغ الجيش المدينةَ النبويّة، فخرج النساء والصبيان والوِلدان يقابلون الجيش ويرحّبون به.
ولم يتخلّف عن هذه الغزوة إلاّ بضعٌ وثمانون من المنافقين وجمعٌ من أهل الأعذار وثلاثةُ نفرٍ من المؤمنين الصادقين لم يكن لهم عذر، فجاء المنافقون يعتذِرون بأعذارٍ شتى والله يعلم إنهم لكاذبون، فقبل النبيّ منهم علانيّتَهم ووكل سريرَتهم إلى الله، أمّا النفر الثلاثة فقد اعترفوا بذنبِهم، فأمر النبيّ بهجرِهم حتى تنكّرت لهم الأرض، و ضاقت عليهم بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، ثم تاب الله عليهم.
وأما أصحاب الأعذار من الضعفاء والمرضى فقد رفع الله عنهم الحرَج حتى قال النبي حين دنا من المدينة: (( إن بالمدينة رجالا ما سِرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم؛ حبسهم العذر ) ).
الخطبة الثانية
لله ولي المؤمنين والمؤمنات، وأشهد أن لا إله إلا الله فاطر الأرض والسماوات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ختم الله به الرسالات وبعثَه رحمةً للبريات.
أيها الناس، هذا حال الجيلِ الأول من أصحاب النبيّ ، فما حالُنا؟ هذه شمائلهم وأفضالهم فما شمائلنا وأفضالنا؟
عثمان يعد بتجهيز الجيش من مالِه، وأبو بكر يأتي بماله كلِّه، وعمر يأتي بنصف ماله، ومِن المسلمين اليومَ من يجمَعون ويمنعون وفي سبيل الله لا يتصدّقون، بل في اللهو والباطل هم ينفقون، وفي الصدّ عن سبيل الله أموالَهم يبذلون وهم لا يشعُرون.
صحابةُ النبي تحت حرِّ الشمس يمشون، وعلى الرّمال الملتهبة بأقدامهم يطؤون، وخلقٌ كثير منَ المسلِمين على رِمال الشواطئ يستَرْخون، وهم للعورَات كاشفون، وللمفاتن مظهِرون، ولربِّ السموات والأرض بالمعاصي مبارِزون، نساءً ورجالا جميعا مختلطون.