فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
عبد الحكيم بن محمد بلال
إن سنة الله (عز وجل) في خلقه للكون والحياة: التكامل والتوازن، وقد خلق (جل وعلا) الإنسان في أحسن تقويم، وجعله يحوي جوانب كثيرة مختلفة: عقلاً، وروحاً، وجسداً، وعواطف، ومشاعر، ولكلٍّ منها حق، ولا يمكن الوفاء بكل حقوقها إلا بتوازن يكمِّلها جميعاً، ولا يغلِّب جانباً منها على حساب جانب آخر.
وذلك التوازن هو: الوسطية التي جاء بها الإسلام، وهي الصراط المستقيم.
حتى نفهم الوسطية (1) :
لا تخرج معاني الوسطية عن: العدل والفضل والخيرية، والنِّصف والبينية، والتوسط بين طرفين، فقد استقر عند العرب أنهم إذا أطلقوا كلمة (الوسط) أرادوا معاني: الخير والعدل والنّصَفَة، والجودة والرفعة والمكانة العالية.
ولا يصح إطلاق مصطلح (الوسطية) على أمر إلا إذا توفرت فيه صفتان:
1-الخيرية، أو ما يدل عليها.
2-البينية، سواء أكانت حسية أو معنوية.
كما يقصد بالتوازن في الشريعة الإسلامية: النظر في كل الجوانب، وعدم طغيان جانب على آخر، وذلك باجتناب الغلو والجفاء..
ولا بد من فهم حقيقة هذين الأمرين؛ لتفهم حقيقة الوسطية والتوازن، فإنه لا يمكن تحقيقها إلا بعد الفهم السليم لها.
معالم في فهم الوسطية:
أولاً: الغلو والإفراط:
قال الله (تعالى) : (( يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ) ) [النساء: 171] ، وقال: (إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) (2) .
والغلو: المبالغة في الشيء، والتشديد فيه بتجاوز الحد، فحقيقته: مبالغة في الالتزام في الدين، وليس خروجاً عنه في الأصل، ويكون متعلقاً بفقه النصوص، أو الأحكام، أو الحكم على الآخرين، وكما يكون فعلاً فإنه يكون تركاً، كترك النوم وتحريم الطيبات، وليس منه: طلب الأكمل من العبادة، بل هو تجاوز الأكمل إلى المشقة، ومعلوم أن الحكم بالغلو على شخص أو فعل لا يجوز إلا بالكتاب والسنة، ولا يقدر عليه إلا العلماء.
وقد أُتِيتْ بعض الدعوات والحركات من هذا الباب، فاستلزم الحذر منه، ومعرفة آفاته ومظاهره وأسبابه ليحذر منه.
فمن أخطار الغلو في الدين وعيوبه وآثاره (3) :
1-كراهية الناس ونفورهم، وانفضاض الأنصار، قال: (إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة) (4) .
2-الفتور أو الانقطاع، فالإنسان ملول، وطاقته محدودة.
وقد وضح طبيعة هذا الدين فقال: (إن الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة) (5) .
فبَيّن أنه لا يتعمق أحد في العبادة، ويترك الرفق ـ كالرهبان ـ إلا عجز، فيُغلب.
3-التقصير في الحقوق والواجبات الأخرى، وانظر قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمرو (رضي الله عنهما) : (فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام) ..؛ (فإن لزوجك عليك حقّاً، ولزورك عليك حقّاً، ولجسدك عليك حقّاً) (6) .
4-تضييع العمر فيما لا فائدة فيه، بل ما فيه الضرر.
5-الفرقة والتمزق في الصف الإسلامي، وهو ما نشاهده ونعيشه كثيراً.
وللغلو مظاهر كثيرة، منها (7) :
كثرة الافتراضات والسؤالات عما لم يقع، والمبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو تضييع الواجب، والعدول عن الرخصة في موضعها إلى العزيمة، والاشتغال بمسائل الفروع على حساب الأصول، واستفراغ الجهد في المختلف فيه مع إهمال المجمع عليه، علماً وعملاً، ومن المظاهر أيضاً: التعصب للرأي، وعدم الاعتراف بالرأي الآخر، وإلزام جمهور الناس بما لم يلزمهم به الله، والتشديد في غير محله، ككونه في غير مكانه أو زمانه أو أهله، ومنها: الغلظة والجفاء والخشونة في غير الجهاد وإقامة الحدود، وسوء الظن بالآخرين، وتهمتهم وإدانتهم، والسقوط في هاوية التكفير بلا ضوابط شرعية.
أسباب الغلو:
وللغلو دوافع وأسباب، منها:
ـ البيئة الغالية، أو المستخدمة للشدة والضغط والإكراه، ومنها: التكوين النفسي والفكري لبعض المغالين، والذكاء مع الفراغ وعدم البصيرة بالأولويات، والاعتماد على النفس من أول الأمر في تحصيل العلم أو المعرفة، أو التلقي عن الجاهلين، مع خلو الساحة من العلماء الذين يضبطون الفكر والتصور والسلوك، والتصدر للفتوى والاجتهاد قبل الاستواء والنضج.
ـ الرغبة في الطاعة مع الجهل بالسنة.
ـ وقد يكون من الأسباب أحياناً: الحظوظ النفسية، والإغراء بالدنيا.
ـ ومن أبلغ الأسباب تأثيراً: تعطيل شرع الله في الأرض، والعلمنة الصريحة، وإعراض أكثر المسلمين عن دينهم، متمثلاً في: كثرة البدع والعقائد الفاسدة، والإعراض عن منهج السلف، وشيوع الفساد، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو التقصير في القيام بذلك، وشيوع الظلم، وتحكم الكافرين في مصالح المسلمين، ومحاربة التمسك بالدين، والجفوة بين العلماء والشباب، والخلل في مناهج بعض الدعوات، مع وجود قوة العاطفة لدى فئات من الشباب.