فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
#منهج السلف في تفويض الصفات
د. محمد عبد العليم الدسوقي
الحلقة الثالثة
من كلام فقهاء المذاهب
وإجماعاتهم على وجوب الوقوف على معانى الصفات وعدم البحث عما وراءها من
الكيفية
ومن أقوال أهل العلم وأئمة السلف المؤيدة لما سبق ذكره ما أورده الذهبي
عن سفيان الثوري قال:"كنت عند ربيعة بن أبي عبد الرحمن - شيخ مالك - فسأله رجل"
فقال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى.. طه/ 5) كيف استوى؟ فقال:
(الاس
تواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة) (1) ،
وفي لفظ آخر صح عن ابن عيينة وبنحوه عن اللالكائي قال: سئل ربيعة كيف استوى؟
فقال:(الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول
البلاغ وعلينا التصديق) (2) ، وهو ثابت عن أم سلمة زوج النبي عليه السلام لكن
بلفظ:(الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإقرار به واجب والجحود به
كفر) (3) ، وعن الإمام مالك إمام دار الهجرة (4) . ومن أقواله:"الرحمن على العرش"
استوى كما وصف نفسه، ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع"، وفي رواية ذكرها أبو سعيد"
الدارمي بسنده عن جعفر بن عبد الله- وكان من أهل الحديث ثقة- أنه (5) حين سئل عن
ذلك أخذته الرحضاء- أي العرق- وأطرق وجعلنا ننظر ما يأمر به في السائل فزاد:
(والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالاً) ثم أمر به فأخرج، قال أبو سعيد:
"وصدق مالك، لا يعقل منه كيف ولا يجهل منه الاستواء، والقرآن ينطق ببعض ذلك في"
غير آية" (6) ."
وهو قول أهل السنة قاطبة"أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها،"
وأن استواءه كما أخبر في كتابه وأنه كما يليق به، لا نتعمق ولا نتحذلق، ولا
نخوض في لوازم ذلك نفياً ولا إثباتاً، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أن لو
كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره
والسكوت عليه، ونعلم يقيناً مع ذلك أن الله جل جلاله لا مثل له في صفاته ولا في
استوائه ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً" (7) . ومن"
أقوال الإمام القرطبي صاحب التفسير الكبير:"وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم"
لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى
كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه
حقيقة، وخص عرشه بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا
تُعلم حقيقته، قال مالك رحمه الله:(الاستواء معلوم- يعني غير مجهول المعنى في
لغة العرب- والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة)" (8) ."
ولأبي حنيفة عمن يقول:(لا
أعرف ربي في السماء أو في الأرض)، قال:"قد كفر، لأن الله تعالى يقول:"
(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى..طه/ 5) ، وعرشه فوق سماواته"، وعمن"
يقول: (هو على العرش ولكن لا يدري العرش في السماء أو في الأرض) ، قال:"إذا"
أنكر أنه في السماء فقد كفر" (9) ، كما سئل عن حديث النزول فقال:"ينزل بلا
كيف" (01) . ومما جاء عن عالم الديار المصرية في وقته الإمام أبي جعفر الطحاوي"
الحنفي في العقيدة التي ألفها، قوله:"القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية"
قولاً وأنزله على نبيه وحياً وصدّقه المؤمنون على ذلك حقاً وأيقنوا أنه كلام
الله بالحقيقة ليس بمخلوق.. والرؤية لأهل الجنة حق بغير إحاطة ولا كيفية، وكل
ما في ذلك من الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه على ما أراد.. إلى أن
قال: والعرش والكرسي حق كما بيّن في كتابه، وهو مستغن عن العرش وما دونه محيط
بكل شيء وفوقه" (11) ."
ولمحمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى فيما رواه عنه
الحافظ المقدسي وشيخ الإسلام أبو الحسن علي بن محمد الهكاري بسنده، قال:"القول"
في السنة التي أنا عليها ورأيت عليها الذين رأيتهم فأخذت عنهم مثل سفيان بن
عيينة ومالك وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله،
وذكر شيئاً ثم قال: وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف يشاء وينزل
إلى سماء الدنيا كيف يشاء وذكر سائر الاعتقاد" (21) ، ولشيخه عالم الكوفة وكيع بن"
الجراح قوله في أحاديث الصفات مثل (حمل السماوات على أصبع) ،(قلب ابن آدم بين
أصبعين من أصابع الرحمن):"نسلم بهذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف كذا،"
ولا لم كذا" (31) ."
ومما قاله أبو الحسن الكرخي الشافعي في قصيدته التي زادت عن
مائتي بيت:
عقيدة أصحاب الحديث فقد سمت
بأرباب دين الله أسنى المراتب
عقائدهم
أن الإله بذاته
على عرشه مع علمه بالغوائب
وأن استواء الرب يعقل
كونه
ويجهل فيه الكيف جهل الشهارب (41)
ومن كلام الإمام البارع الحافظ عماد
الدين إسماعيل بن كثير الشافعي صاحب التفسير المعروف باسمه، في هذا الصدد:
"وأما قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ..) الأعراف/ 54 يونس/ 3"
الرعد/ 2 الفرقان/ 59 السجدة/ 4 الحديد/ 4)، فللناس فيها مقالات كثيرة جداً ليس