الرقاق والأخلاق والآداب
الجنة والنار
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
ملخص الخطبة
1-السلف رأوا الجنة وكأنها بين ظهرانيهم. 2- أبواب الجنة. 3- دخول أهل الجنة إليها. 4- بعض نعيم أهل الجنة. 5- آخر رجل يدخل الجنة.
الخطبة الأولى
أيها المؤمنون: إن الحديث عن الجنة شيِّق ومحبّب إلى النفوس المؤمنة, الجنة تلك الأمنية الغالية التي يسعى إليها الساعون من المؤمنين على مر العصور, الجنة التي كانت في قلوب السلف الصالح شعلة تحركهم لضرب أعلى أمثلة البطولة في الجهاد والتضحية, الجنة تلك الغاية الكريمة التي ترنو إليها العيون الحالمة, وتهفو إليها الأرواح والنفوس المؤمنة في كل زمان ومكان يستعذبون العذاب من أجل الحصول عليها. إنها أعظم مرغوب عند المؤمن, ودخولها والانتهاء إليها أمل يتراءى له في رحلة العمر التي تستغرق حياته كلها. وما أكثر ما كانت حافزاً إلى الخير والحق مهما كان في الطريق من المخاطر والعقبات والأشواك, بل لو كان فيها الموت المحقّق.
لقد كان هذا أيام النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر أنس رضي الله عنه قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر, وجاء المشركون, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه ) ). فدنا المشركون, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض ) ). قال عمير بن الحمام الأنصاري رضي الله عنه: يا رسول الله: جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: (( نعم ) ). قال: بخٍ بخٍ, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما يحملك على قولك بخٍ بخٍ ؟ ) )قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها !! قال: (( فإنك من أهلها ) ). فأخرج تمرات من قرنه, فجعل يأكل منهن, ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة !! فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قُتل رضي الله عنه.
فيا أيها المؤمنون: إن الجنة هي دار المتقين, دار الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, دار جنانها تجري من تحتها الأنهار, دار قصورها لبنة من ذهب, ولبنة من فضة, طينها _ وقيل ملاطها _ المسك الأذفر _ الجيّد غاية الجودة _ وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت, وتربتها الزعفران وخيامها اللؤلؤ المجوف, هي نور يتلألأ, وريحانة تهتز, وفاكهة وخضرة, فيها الزوجات الخيرات الحسان, فيها العباد المنعمون الذين يأكلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون بل يخرج ذلك منهم مسكاً عندما يكون منهم جشاءٌ, فيها المنعمون الذين يضحكون ولا يبكون, ويقيمون ولا يظعنون, ويحيون ولا يموتون, فيها الوجوه المسفرة الضاحكة المستبشرة, فيها الجمال المبين والحور العين, فيها النعيم الدائم, فيها المزيد حيث يُرفع الحجاب فينظر الفائزون إلى وجه العزيز الوهاب, فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر.
نتناول الحديث عن الجنة وسعتها وأبوابها وأنهارها وخدمها ومطاعمها ومشاربها وعن أهلها وعن سائر ألوان النعيم فيها من القرآن العظيم ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورد عن عرضها وريحها قول الله عز وجل: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاواتُ وَالاْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133] . وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( وإن ريحها ليوجد من مسيرة مائة عام ) ).
وأبواب الجنة ثمانية أبواب فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من أنفق زوجين في سبيل الله من ماله نودي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير, وللجنة ثمانية أبواب, فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة, ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد, ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان, ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ) ). فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله: ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة, فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: (( نعم وأرجو أن تكون منهم ) ).
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( في الجنة ثمانية أبواب, باب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل غيرهم ) ).