فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقال النووي: هذا الذي قاله ابن المبارك محتمل ، وقد قال غيره: إنه عام والمراد من فعل هذا أشبه بالمنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف فإن ترك الجهاد أحد شعب النفاق.
صالح بن عبد الله بن حميد
مكة المكرمة
المسجد الحرام
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-مزية للحضارة الإسلامية عن سائر الحضارات البشرية. 2- لكل أمة حضارتها وسياساتها النابعة من دينها. 3- العلوم في الحضارة الإسلامية تهدف إلى غرس الإيمان وتعميق اليقين. 4- فشل السياسات التعليمية المستوردة. 5- الأسس التي قامت عليها هذه السياسات المريضة. 6- التربية والمناهج والسياسات التعليمية وأهمية ذلك كله في بناء الحضارة والمجتمع المسلم. 7- دعوة لإعادة صياغة مناهج التعليم في بلاد المسلمين. 8- حديث عن التربية الإسلامية وأصولها ووسائلها.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فأوصيكم - أيها الناس ونفسي - بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله، فمن اتقى الله جعل له نوراً وعلماً وفرقاناً، وملأ قلبه طمأنينة وإيماناً، يِاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29] . ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الحديد:28] .
قفوا عند حدود الله، والتزموا بأوامر الله، فإن لكم من الله طالباً، وعليكم منه مراقباً ومحاسباً، واعتبروا قبل أن تكونوا عبراً، وقدموا لأنفسكم من الخير تجدوه عند ربكم مدخراً.
أيها المسلمون: للحضارات الإنسانية كلها دورتها، تنشأ ثم تزدهر ثم تتلاشى، أما حضارة الإسلام فهي حضارة صاعدة ثابتة لا تعرف التقهقر ولا الهبوط؛ لأنها تملك القوة -بإذن الله - من داخلها وفي تكوينها، فهي حضارة الدين التام، والإسلام الكامل، والملة المرضية، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسْلاَمَ دِيناً [المائدة:3] .
وما دامت الأمة مستمسكة بإسلامها، ناصرة لدين ربها ؛ فستظل حضارتها في تقدم وصعود لا تعرف الضعف ولا النزول مهما كانت الغِيَر والمتغيرات، وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:139] .
وكذلك أيضاً - أيها المسلمون - لكل أمة حضارتها في عقائدها الإيمانية، وشعائرها التعبدية، وأعرافها الحسنة المرعية، وضوابط علاقاتها الاجتماعية، وكل أمة محترمة تضع لنفسها من المبادئ التربوية، والمناهج التعليمية ما يكفل المناخ السليم ؛ لإعداد أجيالها ؛ لتلقي هذه العقائد والمبادئ والحماس لها والدفاع عنها.
أيها الإخوة المسلمون: وحديث الحيوية والثبات، والرقي في الحضارات، يؤكد أن للعلوم والمناهج حيويتها وروحها، وأثرها وتأثيرها، هذه الروح هي حقائق هذه العلوم وآثارها العميقة، فالعلوم التي أنشأها الإسلام وصاغها في قالبه تسري فيها روح الإيمان بالله، وتقواه وخشيته، والإيمان بالغيب، والإيمان باليوم الآخر، والسامي من الأخلاق والفضائل.
والعلوم التي وضعتها الأمم الوثنية: من يونانية ورومانية وغيرها تشتمل على الخرافة وروح الجاهلية، وتعدد الآلهة، وقل مثل ذلك من العلوم المبنية على الإلحاد والزندقة والانحصار في الماديات والمحسوسات الجامدة المجردة، وقلة الاكتراث بما لا يدخل تحت الحس والتجربة، أو يحقق المنفعة العاجلة الآنية، سرت هذه الروح من علوم واضعيها ومناهجهم ونظرياتهم وفلسفياتهم، وشعرهم وقصصهم وأدبهم.
فمناهج الأمم والحضارات اللادينية غير مناهج الأمم الدينية، ولا تصلح إحداهما للأخرى، ولا تتوافق معها البتة.
أمة الإسلام: إذا كان ذلك كذلك، فماذا يعني العلم والتعليم، والمعرفة والتربية في أمة من غير شخصية تعتز بها؟! ومن غير رسالة تحملها، ومن غير عقيدة تؤمن بها، ومبادئ ترتبط بها ارتباط الروح بالجسد، واللفظ بالمعنى، ومن غير دعوة تتبناها وتعرف بها.
أيها المسلمون: يا رجال التربية، جدير بالعاقل المنصف المحب لدينه وأمته ووطنه: أن ينظر في مسيرة التعليم والتربية في كثير من الأقطار الإسلامية، في نظرة تقويمية في حساب الربح والخسارة في هذه السياسات التعليمية، التي تقوم عليها كثير من هذه الأقطار: من مدارسها ومعاهدها وجامعاتها، ما مقدار ما تحقق من التقدم المنشود؟! من مقابل ما صرف من أموال وجهود في المنشآت والمناهج والوظائف والمخرجات، وماذا كانت الحصيلة لفلذات الأكباد وأنواع الشباب؟! ما هي أحوال الفوضى الفكرية الهائلة، والتناقض في الأفكار والآراء والشك والارتياب في الدين، والتهاون في الفرائض والواجبات، والتمرد على الآداب والأخلاق والتقليد والتبعية القاتلة في الظواهر والقشور؟!
أجيال وأفواج فارغو الأكواب، ظامئو الشفاه، مظلمو الروح، كليلو البصر، ينكرون أنفسهم، ويؤمنون بغيرهم، يموت الأمل في صدورهم، مبهورون بإنتاج غيرهم، يمدون أيديهم يستجدون خبزاً وشعيراً، يلوكون رطانة، ويتكسرون في مشية، لم تزرع فيهم التربية الثقة بأنفسهم، بل لم تعرّفهم بأنفسهم، ولم تبين له منزلتهم، ولم تشحذ همتهم، لم تبن فيهم الشعور بمسؤوليتهم، قتلوا من غير حرب، كل قلوبهم ونفوسهم حول الماديات تحوم، وبالقشور والهندام تتعلق.
لقد آن الأوان في وقفة جادة، ومحاسبة صادقة: الاعتراف بفشل النظم التربوية الدخيلة، والاعتراف بعجزها عن تربية الفرد والمجتمع، لقد قامت المناهج المستوردة في التربية على أحد أمرين:
إما التنكر للدين، وإما الفصل بين الدين والدنيا، وعلى هذا قامت دراساتهم، وبنيت نظرياتهم؛ فجاءت التطبيقات والمناهج على أمور الدنيا وحدها، وفصلت أمور الدين عن التربية.
أيها المربون، أيها الفضلاء، العلوم والآداب والمناهج ونظريات التربية التي ظهرت، تظهر في الغرب أو في الشرق أو في أي مكان من الدنيا: هي تجارب بشرية يخطئ أصحابها ويصيبون، ويمشون ويتعثرون، يؤخذ منها ما ينفع بعد أن تجرد مما يقترن بها من عوامل الإلحاد والإفساد والاستخفاف بالقيم، ثم تصبغ بصبغة الإيمان صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ [البقرة:138] .
ليس من العقل ولا من الحكمة والنصح للأمة أن تنقل هذه العلوم والنظريات بعلاّتها وعوامل الإفساد فيها، يجب أن تقود هذه العلوم والدراسات إلى الإيمان والتقوى والخشية، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [فاطر:28] . وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاواتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:191] .
أيها المسلمون: إن قضية التربية والتعليم في البلاد الإسلامية من كبرى القضايا ومن عظائم المهمات، فهي مسألة قائمة بذاتها ؛ لأن أمة الإسلام أمة خاصة في طبيعتها ومنهجها وأهدافها، أمة ذات مبدأ وعقيدة، ورسالة ودعوة وجهاد، يجب أن تكون التربية والتعليم خاضعين لمبادئ الأمة وعقيدتها ورسالتها ودعوتها، وكل تربية أو تعليم لا تحمل ذلك ولا تتضمنه فهي خيانة للأمة، وغدر بالذمة.