فهرس الكتاب

الصفحة 9092 من 9994

أنزل على النبي وأنا جارية ألعب: بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر [القمر:46] ، وما نزلت البقرة والنساء إلا وأنا عنده بالمدينة.

ومما ربى الله عز وجل به الإيمان كذلك في قلوب الصحابة بمكة فرض قيام الليل في ابتداء الدعوة.

روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: فرض الله عز وجل على نبيه قيام الليل، فقام النبي وقام الصحابة معه حولا كاملا، واحتجز الله عز وجل خاتمة السورة اثنا عشر شهرا، ثم نزل بعد ذلك التخفيف (5) [5] ).

وإنما قصدت رضي الله عنها الأمر بقيام الليل في قوله تعالى: يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً [المزمل:1-4] . وقصدت بالتخفيف الآية الأخيرة من السورة، وهي قوله تعالى: إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن [المزمل:20] . أليس من الغريب العجيب أن يفرض قيام الليل قبل أن تفرض الصلوات الخمس، وقبل أن تنزل الحدود، وإنما كان ذلك كذلك تربية لهذه الأمة ورفعا لمستواها الإيماني، ولئن قال البخاري: العلم قبل القول والعمل، فلقد قال الصحابة ما هو أبلغ من ذلك وهو: أن الإيمان قبل العلم.

روى الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين عن ابن عمر قال: عشنا برهة من الدهر وكان أحدنا يؤتي الإيمان قبل القرآن. فبقيام الليل وصيام النهار سادوا الدنيا وحكموا العالم وفتحوا البلاد وقلوب العباد.

قال علي: رأيت أصحاب رسول الله فلم أر اليوم شيئا يشبههم، كانوا يصبحون صفرا شعثا غبرا، بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا سجدا وقياما، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا تمادوا كما يميد الشجر يوم الريح، وهملت أعينهم بالدموع، فوالله لكأنى بالقوم باتوا غافلين.

كان أبو هريرة يقسم الليل أثلاثا بينه وبين جاريته وبين أمه، وكان الحسن بن صالح - أحد عباد التابعين - يقسم الليل بينه وبين أمه وبن أخيه علي، فلما ماتت أمه صار يقسم الليل بينه وبين أخيه، فلما مات أخوه صار يقوم الليل كله.

باع الحسن بن صالح جارية إلى قوم، فقامت في منتصف الليل تقول: الصلاة يا أهل الديار، فقالوا: أأصبحنا، فقالت: ألا تصلون إلا المكتوبة، فلما كان الصباح ذهبت إلى الحسن بن صالح تقول له: بعتني إلى قوم لا يصلون إلا المكتوبة، ردني فردها.

تزوج رياح القيسى امرأة وكانت من العابدات فرآها تعجن بالنهار فقال لها: أحضر لك أمة، فقالت: لقد تزوجت رياحا ولم أتزوج جبارا عنيدا، فلما كان الليل أراد أن يختبر زوجته فتناوم الرجل، فقامت المرأة ثلث الليل، ثم أرادت أن توقظه فقال: سأقوم. فقامت المرأة الثلث الثاني ثم أرادت أن توقظه فقال: سأقوم. فقالت: ليت شعري من غرّني بك يا رياح.

والنساء اليوم يقولون لمن لم يحضر لهن الدنيا بحذافيرها،: ليث شعري من غرّني بك؟

أين التربية فينا عباد الله؟ من منا ربى نفسه بقيام الليل وصيام النهار؟ لقد صار الصحابة الكرام ببركة تربية النبي قمما شامخة، وضربوا أروع الأمثلة في الجهاد والصبر، والبذل، والدعوة، وسائر ما تمتدح به الأفراد والشعوب.

جعل أبو طلحة الأنصاري ظهره ترسا لرسول الله يوم أحد، ووقاه طلحة بن عبيد الله بيده فشلت يده، وقتل يوم أحد زوج امرأة وأبوها وأخوها فقالت: كيف رسول الله ؟ فقيل لها: هو على خير ما تحبين فقالت: ما أبالي يا رسول الله إذا سلمت من عطب.

هذه التربية التي يستهين بها الناس، ويظنون أنها لا فائدة فيها ولا عائدة، وأن الإسلام يمكن أن يقوم بغيرها، وأنها تضييع للأوقات والأنفاس، فطريق عز الإسلام والمسلمين أن يتربى الناس على ما ربى عليه رسول الله الصحابة الكرام، لا نربيهم على البدع والخرافات ونظن أننا نربيهم على الحق الواضح، فلا بد من تصفية كتب العقائد من العقائد الباطلة المخالفة لعقيدة السلف الصالح رضي الله عنهم، وتصفية كتب الفقه من الاجتهادات الخاطئة والأقوال المخالفة للسنن الصحيحة الثابتة، وكذا كتب التفسير من الإسرائيليات والأخبار الواهيات، ثم تربية الناس على الإسلام الصحيح الخالي من الاعتقادات الباطلة والبدع المنكرة، والاجتهادات المخالفة للنصوص الصحيحة.

لابد من التربية العقائدية وتعريف الناس بربهم عز وجل الذي خلقهم ورزقهم كما عرفنا الله عز وجل بنفسه، وكما عرّفنا به أعلم الناس به رسوله وعقيدة الصحابة رضي الله عنهم هي المقياس للعقيدة الصحيحة.

قال الله تعالى: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا [البقرة:137] .

ينبغي أن يتربى الناس على الفكر الإسلامي الصحيح، على تقديم المنقول على المعقول، والنص الشرعي على النظر العقلي، ينبغي أن يتربوا على ترك التعصب المذهبي، ينبغي أن يتربى المسلمون على الأخلاق النبوية والشيم المصطفوية، فنربيهم على الكرم، والحياء، والسخاء، والبذل، والفداء، واحترام العلماء.

ينبغي أن يتربى المسلمون على محبة الجهاد في سبيل الله عز وجل والتشوق إلى منازل الشهداء، فقد قال النبي: (( من مات ولم يغز ولم تحدثه نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ) ) (6) [6] ).

ينبغي أن يتربى الناس على بر الوالدين، وصلة الأرحام ومعرفة حقوق الجيران والضيفان.

ينبغي أن يتعرف المسلمون على الواقع من حولهم، وما يكيده اليهود والنصارى والعلمانيون للإسلام وأهله، حتى يكونوا على بصيرة بالواقع من حولهم، ويعرفوا عدوهم .

والله عز وجل يقول: إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم [محمد:7] .

ويقول تعالى: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز [الحج:40] .

ونصر دين الله عز وجل ليس بالهتافات ولا بالشعارات، نصر دين الله عز وجل بتطبيق شرعه، وتحليل حلاله وتحريم حرامه، وإذا كان أصحاب المذاهب الباطلة يتعصبون لمذاهبهم الباطلة فيقولون: لا يبنى المجتمع الاشتراكي إلا الاشتراكيون، فأولى بنا أن نقول: لا يقيم الدولة الإسلامية إلا الإسلاميون أي الذين طبقوا الإسلام على أنفسهم، وأهليهم وما ولوا، فلابد من تربية جيل على نهج الجيل الأول، وبدماء أهل الجيل وجهده وجهاده ترتفع راية الإسلام، ويعلو دين الملك العلام.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين.

اللهم أعزنا بالإسلام قائمين، وأعزنا بالإسلام قاعدين ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين.

الخطبة الثانية

لم ترد.

(1) رواه مسلم (16/13) الفتن وأشراط الساعة ، والترمذي (9/22) الفتن ، وأبو داود (4232) الفتن والملاحم.

(2) رواه أحمد (4/103) الحاكم (4/430-431) وقال: صحيح على شرط الشيخين ، وابن حبان (1631 موارد) وصححه الألباني على شرط مسلم في الصحيحة رقم (3) .

(3) أخرجه العقيلي في الضعفاء ص (127) وأعله بأن داود حدث عن الأوزاعي وغيره بالبواطيل ، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ، قال الألباني: لكن للحديث شواهد مرفوعة يرتقى بها الحديث بها إلى درجة الحسن إلى شاء الله - الصحيحة رقم (1903) .

(4) رواه البخاري (11/248) ، الرقاق ، والترمذي (9/286، 287 عارضة) صفة القيامة .

(5) جزء من حديث رواه مسلم (6/26) صلاة المسافرين ، وأحمد (6/54) ، وأبو داود (8/13) قيام الليل ، والنسائي (4/199) قيام الليل .

(6) رواه مسلم (13/56) الإمارة ، وأبو داود (2485) الجهاد ، والنسائي (6/8) الجهاد قال ابن المبارك: فنرى أن ذلك كان على عهد رسول الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت