فهرس الكتاب

الصفحة 8836 من 9994

وبعد رمي جمرة العقبة ينحر المتمتع والقارن هديه - وكل أيام التشريق وقت للهدي - لكن هنا ينبغي التنبيه لكون النحر في الحرم ، فمن ذبح هديه خارج حدود الحرم في عرفة أو غيرها من الحل لم يجزئه على المشهور .

وينتبه للسنن المشروعة في الهدي ، ويأكل ويهدي ويتصدق منها ثم يحلق رأسه أو يقصر والحلق أفضل ، فإذا أتم الحجاج رمي الجمار في اليوم الثاني عشر لمن تعجل ، وفي الثالث عشر لمن تأخر، وعلى من أراد التعجل أن يخرج قبل غروب الشمس.

ثم يغدوا إلى البيت ليطوفوا طواف الوداع لمن طاف للحج وسعى، ومن أخر طواف الإفاضة - وهو طواف الحج - فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، لكن ينويه للحج لأنه ركن، وطواف الوداع يدخل ضمنه .

وعلى الحاج أن يسال الله ويبتهل إليه دائما بالدعاء وطلب القبول، ومغفرة الذنوب … فتلك مواطن تسكب فيها العبرات، وتستجاب فيها الدعوات، ويكفر الله بها السيئات .

وعلى الحاج كذلك أن يتعرف على إخوانه المسلمين ، ويعاون المحتاج منهم، ويعلم الجاهل، فالحج فرصة لتعارف المسلمين، وتآلفهم، وتعاونهم على البر والتقوى.

وإطعام الطعام من بر الحج، وإهداء الأشرطة أو الكتيبات النافعة من سبيل الدعوة إلى الله.

أيها المسلمون جميعاً: وستظلكم هذه الأيام أيام فاضلة عند الله، ألا وهي عشر ذي الحجة، أقسم الله بها في كتابه فقال: (( وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) ) (الفجر:2,1) .

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن فضلها بقوله: (( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله، ولم يرجع من ذلك بشيء ) ).

فاغتنموا هذه الأيام رحمكم الله بأنواع الطاعات، ولا تكن الأيام عندكم سواء، واسألوا الله التوبة والمغفرة والقبول، وألحوا على الله بإصلاح أحوال المسلمين، ونصرة هذا الدين، فان الله سميع مجيب .

واعلموا - رحمكم الله - أنه يجب على من أراد أن يضحى أن يمسك عن الأخذ من شعره وظفره وبشرته، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

ويخطئ بعض المضحين، ولا سيما النساء، حين يوكل قريبا له في أضحيته حتى يأخذ أو تأخذ هي من شعرها، وهذا غير صحيح ، فالحكم متعلق بالمضحي، سواء وكل غيره أم لا، والذي يظهر كما قال أهل العلم أن هذا الحكم يخص صاحب الأضحية، ولا يعم الزوجة ولا الأولاد إذا أراد أن يشركهم في الثواب، إلا إن كان لأحدهم أضحية تخصه .

اللهم هيئ للمسلمين في حجهم يسراً، ويسر للمسلمين عباداتهم .. وتقبلها منهم إنك سميع الدعاء.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ذيِ المن والكرم، وأشهدُ ألاَّ إلهَ إلاَّ اللهَ وحدهُ لا شريك له، مُسبغَ النعمِ ودافعَ النقم، وأشهدُ أن محمداً عبدهُ ورسولهُ ذو الشرفِ الأسنى، والخُلقِ الأتم- صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه- بناةِ المجدِ، وعُلاة الهمم، وسلم تسليماً، أمَّا بعد:

فيا معشرَ المسلمين: اتقوا ربكم حقَّ التقوى، وتمسكوا بالعروةِ الوثقى 0

إنَّها أساسُ كلِّ قضية، ومنبعُ كل رزيَّة ، إنَّها المستنقعُ الذي تتولدُ فيه قاذوراتِ الخطايا، وهي البُركانَ الذي تتقاذفُ منهُ رحم البلايا، إنَّها داءُ الشبابِ، بل وغيرَ الشباب، وهي القضيةُ الكبرى للشباب، ما من جريمةٍ إلاِّ هي منبعُها، وما من كبيرةٍ إلا وهي مبدؤُها، إنَّها قضيةُ الشبابِ الكبرى، الزنا، واللواط، والعادةُ السريةِ، والغناءُ، والمعاكساتِ الهاتفية، جرائمُ الاغتصابِ والاختطاف، والعشقُ والإعجاب، إدمانُ النظرِ المحرمِ من السهرِ والسفر، كلَّ هذهِ الأدواءِ صدىً لهذه القضية، واستجابةً لسعارها، إنَّها حجابٌ حُفت به النار، من اخترقهُ دخلها، هي ابتلاءٌ من اللهِ، وامتحانٌ لعباده، ليعلمَ الصادقين والصابرين، ويبلو أخبارهم 0

إنَّها أيَّها المسلمون قضيةُ الشبابِ والشهوةِ، ولستُ اعني بها كلَّ شهوة، لكنني أردتُ بها شهوةُ الفرجِ، أو ما يُسمى بالمصطلحِ المعاصر ( شهوة الجنس) ، وهل داءُ الشبابِ إلاَّ الميلَ الجنسي الذي يملأُ نُفوسهم، ويُسيطرُ على أرواحهم، ويتراءى لهم في كلِّ جميلٍ في الكون، شيطاناً لعيناً يقودُ إلى الهاويةِ، وإبليساً من أبالسةِ الرذيلةِ، يدعو إلى دينِ الهوى، وشرعِ الشهوات، كم من شابٍ كانت الشهوةُ له عائقاً من سلوكِ الهدايةِ، وكم من كانت السببُ في انحرافهِ وضلاله، والله المستعان، إنَّ الانسياقَ وراءَ الشهوةِ يُدمرُ إرادةَ الإنسان، ويُحطمُ كيانَ الإنسانيةِ ويَفقدها وعيها وإرادتها، ويقُودُها على نغمِ القطيعِ الذي يرقُصُ على إيقاعِ نزواته، فيعبدُ شهواتهِ، ويظلُّ يُمارسُ هذهِ العبوديةِ، ويُسخِّر كلَّ طاقاتهِ للشهوةِ والهوى، إنَّها من أشدِّ الشهواتِ وأخطرِها على الشبابِ خاصةً في هذا الزمنِ، قال r: (( ما تركتُ بعدي فتنةً أضرُّ على الرجالِ من النساء ) )وقال: (( مَن يضمنُ لي ما بينَ لحييهِ وما بين رجليه أضمنُ له الجنة ) )، وسُئل عن أكثرِ ما يُدخلُ الناسَ النار فقال: (( الفمُ والفرج ) )، لمن هذا الحديث ؟ إنَّهُ لكُلِّ الشباب، ولكُلِّ من يُعاني ما يعانيهِ الشهواتُ من طوفانِ الشهواتِ العارم، إنَّهُ خطابٌ لكلِّ من يُريدُ أن يتسامى بروحهِ، وأن يبقى لهُ دينهُ، ويصانُ عرضهُ وشرفه 0

يا معشرَ الشبابَ ويا غيرَ الشباب: الشهوةُ الجنسيةُ غريزةٌ، جُبلتْ عليها النفسُ البشرية، فقد جعلَ اللهُ سبحانهُ هذا الميلَ الغريزي في كلٍّ من الرجلِ والمرأة، لتحقيقِ هدفٍ سام، وهو بقاءُ النوعِ الإنساني، فلولا هذا الدافعُ الجنسي لما كان التناسلُ والتكاثر ُالذي عمَّرَ وجه الأرض جيلاً بعد جيل، وقد حمى الإسلامُ هذه الشهوةُ والانحرافُ بما شرعه من ضوابطٍ وأحكام، فشرعَ الزواجَ وحضَّ عليه، ويسَّر سُبله وأسبابه، ليَكُون الطريقُ الشرعي لتصريفِ هذه الشهوة، بما يحققُ السعادةَ والسكنَ النفسي، والطمأنينةَ لكلا الزوجين، وبما يُطهِّرُ النفسَ من أدرانها، ويَحفظها من الآفات، ولكنَّ الهوى المستحكمُ في النفوسِ، يصرفُ الإنسانَ عن طريقِ الحلالِ ليوقعهُ في الحرام، ويزينُ لهُ الباطلَ فيصبحُ العقلُ أسيراً لذلك الهوى، مُنقاداً وراءهُ حتى يؤدي ذلك إلى طُغيانِ الشهوةِ، وتدسيةُ النفسِ، ليكونَ صاحبُها كالبهائم .

وفي ذلكَ يقولُ الإمامُ ابن القيم- رحمهُ الله-: (( أمَّا مشهدُ الحيوانيةِ، وقضاءُ الشهوةِ، فمشهدُ الجُهَّالِ الذي لا فرقَ بينهم وبينَ سائرِ الحيواناتِ إلاَّ في اعتدالِ القامةِ، ونطقِ اللسانِ، ليس همهم إلاَّ مجردَ نيل الشهوةِ، بأيِّ طُريقٍ أفضت إليها، فهؤلاءِ نُفوسُهم نفوسٌ حيوانية، لم تترقَ عنهُ إلى درجةِ الإنسانيةِ فضلاً عن درجةِ الملائكة، وهم في أحوالهم متفاوتونَ، بحسبِ تفاوتِ الحيواناتِ التي هم على أخلاقها وطباعها ) )0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت