يا معشرَ الشباب: إنَّ الشهواتِ إذا تسعَّرت نارُها، واشتدَّ سُعارها، ولم تُلجَم بلجامِ التقوى والخوفِ من الله، فإنَّهُ حينئذٍ تورثُ انحرافاً في الغريزةِ، وهذا الانحرافُ له آثارٍ إنسانيةً وإيمانية، واجتماعيةٍ وسلوكية، ونفسيةٍ ومرضية، له آثارٍ إنسانيةٍ حينما ينحطُ الإنسانُ بانحرافِ غريزتهِ إلى الحيوانية، بل إلى ما هو أحطُّ منها، فمُنذُ تلكَ اللحظةِ التي يقطعُ بها الإنسانُ صلتهُ باللهِ يغدو حيواناً يعيشُ بغرائزهِ ولها، ويحيا لنزواتهِ وبها، تتعطلُ فيه نوازعُ الشرِّ، وتصبحُ الشهواتُ أكبرَ همهِ، والدنيا مبلغَ علمهِ، فبانحرافِ الغريزةِ الجنسيةِ، ينحطُ الإنسانُ من أحسنِ تقويمٍ إلى أضلِّ سبيلاً، ذلك هوَ الخسرانُ المبين 0
ولهُ آثارٌ إيمانية، بأن يُسلب من المؤُمنِ إيمانه، فَيُرفَعُ من قلبه عندما ينحرف، وتستعبدهُ شهوتهُ، فلا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن 0
كم كانتِ الشهواتُ سبباً في الحورِ بعد الكور، وكانت الخطوةُ الأولى نحو الردةِ والكفر، واقرؤُوا إن شئتم تفسير قوله تعالى: (( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) ) (الحشر:16)
ألم تسمعوا حكايةَ ذلكَ الرجلِ الذي ابتُلي بعشقِ المردان، فعشقَ شاباً اسمهُ أسلم، واشتدَّ كلفهُ به، وتمكنَّ حبهُ من قلبهِ، فمرضَ بسببه، ولزمَ الفراشَ ولم يزل يزدادُ مرضُه حتى قاربَ الوفاة، فلامهُ جلساؤُهُ، لكنَّهُ ختمَ حياتهُ بقولهِ:
أسلمُ يا راحةَ العليل ويا شفاءَ الُمد نفِ النحيل
لقياكَ أشهى إلى فؤادي من رحمةِ الخالقِ الجليل
وربما وجدتَ عابداً زاهداً فارقَ الدنيا كافراً، كانت بدايةُ انحرافهِ نظرةٌ، والنظراتُ تورثُ الحسرات، أولم تسمعوا عن حافظٍ للقرآن تنصر، وآخرَ كان مؤُذناً فتركَ الآذانَ وارتد، لماذا ؟ لقد كان السببُ نظرةً أُولى، وهكذا فإنَّ التهاونَ في وقايةِ شهوةِ الفرجِ والانحرافِ، ولو كان يسيراً سيؤدي شيئاً فشيئاً إلى ماهو أخطر، حتى يقعَ المرءُ فريسةَ طغيانِ الشهوةِ، التي يصعُبُ التخلصُ من شُرورها، وتُؤدي في النهايةِ إلى طمسِ قلبِ صاحبها، وانسلاخهِ من الأخلاقِ الفاضلة، هذا بالإضافةِ إلى ما يُصيبهُ من الأمراضِ النفسيةِ من قلقٍ واضطراب، وذبولِ أحاسيسِ ومشاعرِ الغيرةِ، والعرضِ والشرفِ والحياء والرجولة، وما يعتريه من الأمراضِ الجسديةِ التي عُوزَ علاجُها، واستعصى على أهلِ الطبِ دواؤُها 0
يا معشرَ الشباب: إنَّ بدايةَ الانحرافِ في هذه الشهوةِ سببهُ الأساسي، مرضُ القلبِ، وعدمُ رسوخِ الإيمانِ فيه، فإذا ما عُرضَ لهُ شيءٌ من الفتنةِ مالَ إليها، وتأثرَ بها، فازدادَ مرضاً على مرض .
وفي ذلكَ يقولُ ابنُ تيميةَ-رحمه الله- في قولهِ تعالى: (( فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) ) (الأحزاب: من الآية32) هو مرضُ الشهوةِ، فإنَّ القلبَ الصحيحِ لو تعرضت له المرأةُ لم يلتفت إليها، بخلافِ القلبِ المريض بالشهوةِ، فإنَّهُ لضُعفِهِ يَميلُ إلى ما يُعرضُ، لمَ من ذلكَ بحسبِ قوةِ المرضِ وضعفه، فإذا خضعنَ بالقولِ طمعَ الذي في قلبهِ مرض، إنَّ القلبَ الذي تذوقَ حلاوةَ الإيمانِ لا يُمكنُهُ أن ينصاعَ لوساوسِ الشيطان، أو يفتنَ بما يُعرضُ لهُ من الشهواتِ والمغريات، لأنَّ نورَ الإيمانِ إذا استقرَّ في القلبِ طردَ عنهُ الظُلمات، وما قصةُ يوسفُ- عليه السلام- إلاَّ خيرُ مثال 0
إنَّ الشهوةَ الجنسيةِ وقُودُها النظرُ إلى الحرام، بل هو الخطوةُ الأولى، نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ فكلامُ فموعدٌ فلقاءُ، إنَّ النظرةَ الأولى تُجريءُ على ما بعدها، والعينُ مرآةُ القلبِ، فإذا غضَّ العبدُ بصرهُ، غضَّ القلبُ شهوتَهُ وإرادته، والنظرةُ تفعلُ في القلبِ ما يفعلُ السهمُ في الرميةِ، فإن لم تقتُلهُ جرحتهُ، وهي بمنزلةِ الشرارةِ من النارِ، تُرمى في الحشيشِ اليابسِ فإن لم تُحرقهُ كلهُ أحرقت بعضهُ:
كلَّ الحوادثِ مبدأُها من النظرِ ومعظمُ النارِ من مستصغرِ الشررِ
كم نظرةٍ فتكت في قلبِ صاحبِها فتكَ السهامِ بلا قوسٍ ولا وترِ
والمرءُ ما دامَ ذا عينٍ يُقلبُها في أعينِ الغيرِ موقوفٌ على الخطرِ
ولخطورةِ النظرِ، وعلمِ النبيِّ r بعظيمِ أثرهِ، حذَّرَ أصحابهُ منهُ، بل مما يفضي إليه في قولهِ: (( إياكم والجلوسِ في الطرقات، ثُمَّ قال: فإذا أبيتم إلا المجالسَ فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق، قال: غضُّ البصرِ، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، وأمرٌ بالمعروف ونهيٌّ عن المنكر ) )، هذا مع أنَّ طُرقاتِ المدينةِ لم تكن كطُرقاتِ المسلمين اليوم، مليئةً بالتبرجِ والسفور، ومظاهرَ الإغراءِ والفتنةِ، وإنَّما كانَ النظرُ بهذهِ الدرجةِ من الخُطورةِ لأنَّهُ يتبعهُ ما بعده، فحين ينظُرُ المرءُ نظرةً محرمة، تُرتسمُ الصورةُ في قلبه، ويُزينُها الشيطانُ له، فيُثيرُها في كلِّ موقف، وحين يخلُو بنفسهِ ويأوي إلى فراشهِ يعيدُ الشيطانُ الصورةَ في ذهنهِ، فيتذكرُها، ويُفكرُ فيها، ويطولُ معهُ التفكيرُ حتى يُصبحُ له ديدناً وشأناً، وحين يطولُ التفكيرُ بصاحبهِ، ويستولي عليهِ، فقد يتطورُ به الأمرُ إلى التفكيرِ بالفعلِ والممارسةِ، وتبدأُ المسألةُ من كونها مجردُ أفكارٍ، إلى أن تتحولَ إلى نيةٍ، ثُمَّ إلى تخطيطٍ وعزيمةٍ، ثمَُّ إلى الوقوعِ ربما في الفاحشةِ والفساد، فإن لم يكن كذلكَ، فقد يؤدي به إلى ممارسةِ العادةِ السرية،والوقايةُ خيرٌ من العلاج.
يا معشر الشباب: إنَّ الشهوةَ نارٌ لا يشتدُّ أوارها إلا بالتساهلِ في أسبابها ومُوقِّداتها، فكيف يسلمُ من داءِ الشهوةِ من يتساهلُ في مُشاهدةِ الأفلامِ والمسلسلات، أو متابعةِ القنواتِ بحُجةِ الأخبارِ والمناظرات، وكيفَ ينجو من نارِ الشهوةِ من يسمعُ الغناءَ، أو يرتادُ تجمعاتِ النساء، وكيفَ يسلمُ من داءِ الشهوةِ من يُقلبُ المجلاتِ الهابطة، أو يُشاهدُ القنواتِ الساقطة 0
يا معشرَ الشباب: لا تغتروا بالتزامكُم، ولا تُعجبوا بأعمالكم، ولا تأَمنوا مكرَ الله، فأولُ داءٍ يسري إلى نُفوسِ الصالحين، هو العجبُ والغرورُ بالطاعةِ، فإذا استحكمَ هذا الداءُ فهو علامةٌ على تسلطِ شهوةِ حبِ النفسِ، ونذيرُ خطرٍ بأنَّ هذهِ الشهوةِ الخفيةُ تُمهدُ الطريقَ لتسَلطِ الشهواتِ الأخرى 0
لقد تساهلَ شبابٌ صالحون بالنظرِ إلى النساءِ عبرَ القنواتِ الفضائية، وتساهلَ آخرونَ في مُشَاهدةِ مواقعَ الإنترنت الفاضحة، وتساهلَ فئةٌ في قراءةِ صحفٍ ومجلاتٍ ساقطة، كلُّ ذلك اعتماداً على قاعدةِ الالتزام، ولعمرُ اللهِ ذاكَ بابٌ خطير، ومزلقٌ عظيم، تساقطَ فيه أخيارٌ، وزلَّ فيه عُبادٌ أطهار، إنَّهُ لا يأمنُ مكرَ اللهِ إلاَّ القومُ الخاسرون، ومن حامَ حولَ الحمى يُوشكُ أن يقعَ فيه، تلك معاشرَ الشبابِ لفتةٌ سريعةٌ إلى الداءِ الأعظم، والمشكلةِ الكبرى، قد صورت لكم الداءَ ومصدره، ويبقى الأهمُّ، وهو السبيلُ للخلاصِ، والطريقُ لمواجهةِ هذه الشهوةِ، وللسلامةِ من آثارِها وأخطارها، إنَّهُ لا يغفرُ الذنوبَ إلا الله، فاستغفروا اللهَ يغفر لكم، إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم 0
الخطبة الثانية
أمَّا بعد: