يا معشرَ الشباب: أُدركُ أنكم في زمنٍ تواجهون فيه تياراً جارفاً، وطوفاناً هادراً من الشهوات، يلاحقُكم أينَّما كنتم، وحيثما حللتم، حتى ليقولُ القائل: وماذا تُجدي المواعظُ والخطب، إنَّكم تقولون للشبابِ كُن صيناً وعفيفاً، وهو يخرجُ فيسمعُ إبليسَ يخطبُ بلغةِ الطبيعةِ الثائرةِ في السوقِ، على لسانِ حالِ المرأةِ المتبرجة، وفي الحدائقِ، وعلى السواحلِ على لسانِ النساءِ السافرات، وفي القنواتِ الإعلامية، على لسانِ المناظرِ المتهتكةِ المثيرة، وفي المكتبةِ بل والبقالةِ على لسانِ الجرائدِ والمجلاتِ المصورة، والرواياتِ الغراميةِ الماجنة، وفي المدارسِ والشارعِ على لسانِ أصحابهِ المستهترين، بل وفي جوارِ بيتِ الله، حيثُ النساءِ اللاتي لم يأتينَ يبغينَ حجةً ولا عُمرةً، ولكن ليفتنَّ الشبابَ المغفل، إنَّ الشبابَ تتعبدهُ الشهوةُ فيخضعُ لها، لأنَّ سهامها تَنصَبُّ عليه من كلِّ جانب، فلا يطيقُ أن يتقيا، فيُصورُها لهُ خيالهُ عالماً مسحوراً عجيباً، وجنةً فتانةً غرينة، فيتمنى دخولَها، فلا يجدُ من دونها حجاباً، بل يجدُ من يسوقهُ إليها، ويُحفِزُهُ عليها، فلا يخرجُ منها أبداً، ولا عليه إن ماتتِ الأمةُ أو عاشت، فهل من علاجٍ لهذا الداء 0
يا معشر الشباب: إنَّ العلاجَ هينٌ ميسور، والعقاقيرُ دانيةً، لا ينقُصها إلا يدٌ تمتدُ إليها، فتأخُذُها لتكونَ سبباً في الشفاءِ، بإذنِ ربِّ الأرضِ والسماء 0
إنَّ أقوى علاجٍ لشهوةِ الجنسِ ولكلِّ الشهواتِ، قوةُ الإيمانِ باللهِ- تبارك وتعالى- فالإيمانُ سلاحُ المؤمنِ في مواجهةِ ما يُضلهُ من الشهواتِ والشبهات، فلا بُدَّ من تربيةِ النفسِ على الخوفِ من الله، ومراقبتهِ في السرِّ والعلانية 0
إنَّ المؤمنَ إذا تربى على الإيمانِ بالله- سُبحانهُ وتعالى- ومراقبتهِ في السرِّ والعلانيةِ، وخشيتهِ في المنُقلبِ والمثوى، فإنَّهُ يُصبحُ إنساناً سوياً، وينشأُ شاباً تقياً، لا تستهويهِ مادةٌ، ولا تستعبدهُ شهوةٌ، ولا يتسلطُ عليه شيطانٌ، ولا تعتلجُ في أعماقهِ وساوسُ النفسِ الأمارةِ، فإذا دعتهُ امرأةٍ ذاتَ منصبٍ وجمال، قال: إنِّي أخافُ اللهَ ربَّ العالمين، وإذا وسوسَ لهُ شيطانٌ، قال: ليس لكَ عليَّ سلطان، وإذا زينَّ لهُ قُرناءَ السُوءِ طريقَ الفحشاءِ والمنكرِ، قال: لا أبتغي الجاهلين 0
أخي الشاب:حينما تُغلق عليك بابكَ، ولا يراكَ أحدٌ، وتتحركُ كوامنَ الشهوةِ في نفسكَ، فتبحثُ لها عن متنفسٍ غير شرعي، تذكر حينها أنَّ اللهَ عز وجل في تلكَ الساعةِ يراكَ، ويعلمُ ما في نفسكَ، وما تُخفي في صدرك: (( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) ) (غافر:19) .
وإذا خلوتَ بريبةٍ في ظلمةٍ والنفسُ داعيةً إلى الطغيانِ
فاستحيِ من نظرِ الإلهِ وقُل لها إنَّ الذي خلقَ الظلامَ يراني
أخي الشاب: ولكي تأمنَ غوائلَ الشهوةِ، تذكر يومَ وقُوفكَ بين يديِّ اللهِ تباركَ وتعالى، وأنكَ ستلقى اللهَ يومَ تُبلى السرائر، يومَ لا يخفى من الناسِ خافية، تذكر شهادةُ الملائكةِ عليكَ بما فعلت، (( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ، كِرَاماً كَاتِبِينَ ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ) ) (الانفطار:10، 11، 12) , وتذكر شهادةُ جوارحك، (( حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ) (فصلت:20) ، وتذكر شهادةُ الأرضِ بما عليها، قد فعلتَ (( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ) ) (الزلزلة:4) .
، إنَّ من يتذكرُ ذلك ويُوقنُ به، فلن تحدثهُ نفسُهُ، أو تسوِّلُ لهُ بعملٍ يُسخطُ ربهُ، وشهوةٍ محرمةٍ تُغضبُ خالقه0
أخي الشاب: إذا حدثتكَ نفسُكَ باقترافِ شهوةٍ، فتذكر أنَّها لذةُ ساعةٍ ثمَّ تنقضي، وتعقُبُها الحسراتُ والزفراتُ.
قال ابنُ الجوزي: (( إنَّ الهوى يَحولُ بين المرءِ وبين الفَهمِ للحال، فلا يرى إلاَّ قضاءَ شهوتهِ، ولو ميَّزَ العاقلُ بين قضاءِ وطرهِ لحظةً، وانقضاءِ باقي العُمرِ بالحسرةِ على قضاءِ ذلكَ الوطرِ، لما قربَ منهُ ولو أُعطي الدنيا، غيرَ أنَّ سكرةَ الهوى تحولُ بينهُ وبين ذلك، آهٍ كم من معصيةٍ مضت في ساعتها، كأنَّها لم تكُن، ثمَّ بقيت آثَارُها، وأقلُّهَا ما لا يَبرحُ ولا يَزولُ من المرارةِ في الندمِ والهزيمةِ، أمَّا الشهوةُ:
تفنى اللذاذاتُ ممن نالَ صفوتَها من الحرامِ ويبقى الإثمُ والعارُ
تبقى عواقبُ سُوءٍ في مغبتِها لا خيرَ في لذةٍ من بعدها النارُ
أخي الشاب: أغلقِ البابَ الذي تُشمُ فيهِ روائحَ الشرِّ، بالبعدِ عن المثيراتِ، فالصورِ ومشاهدةُ الأفلامِ، والبحثُ عن المواقعِ الهابطةِ، والتساهلُ في قضايا مُشاهدةَ الصورِ، والمحادثاتِ وتبادلَ الرسائلَ الإلكترونيةِ وغيرها، هي من أبوابِ الشرِّ، والبعدُ عنها وقايةٌ للنفسِ من غوائلِ الشهوةِ وشرورِها 0
يا أخي الشاب: إذا علمتَ أنَّ قرينَ السُوءِ، هو المُزيِّنُ للشهوةِ، والمُسَهِلُ للفاحشةِ، فهل فكرتَ بجدٍ وأنتَ تُريدُ طاعةَ اللهِ، أن يكونَ لكَ قرينُ خيرٍ، يبقى لكَ ودُّهُ ونفعُهُ دنيا وأُخرى، (( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) ) (الزخرف:67) .
يا أملَ الأمةِ: إذا حدثتكَ نفسُكَ أن تُذهبَ دِينَك، وتُرِيقَ ماءَ حياتِك وعفتِكَ، بلذةٍ مُحرمةٍ فتذكرْ أنَّكَ بذلكَ تُحرم نفسكَ ما هو خيرٌ وأبقى، وأتقى وأنقى، إنَّهُنَّ الحورُ العين، اللاتي لو اطلعت إحدَاهُنَّ على أهلِّ الأرضِ، لملأت ما بينهما ريحاً ونوراً، ولَنَصِيفُها على رأسها خيرٌ من الدُنيا وما فيها 0
إنَّ ثَمنَ العِفةِ، وجزاءُ الصبرِ على المغرياتِ، جنةٌ فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلبِ بشر، (( وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ) ) (الإنسان:12) .
، أ فتستبدلونَ الذي هو أدنى بالذي هو خير، لمَّا ذكرَ اللهُ شهواتِ الدُنيا وزينتها، قالَ بعدهُ: (( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) ) (آل عمران:15) 0
يا معشرَ الشباب: احذروا الاستهانةَ بالذنبِ ولو صَغُر، فلا صغيرَ مع إصرار، والنظرةُ المُحرمةُ تورثُ الحسراتِ والزفرات، والعينُ تزني وزناها النظر، ومن هُنا أقولُ للشبابِ الملتزمِ: كم نُخَادِعُ أنفسَنَا حينما نُبيحُ لها في السفرِ ما نعتبرُهُ نَحنُ عندَ غَيرِنا إحدى الكِبر 0
ما الذي يُبيحُ لنا مُشاهدةِ الدُشوشِ ونحنُ نُحذِّرُ منها، أفي أمنٍ نَحنُ من مكرِ الله، أو نظُنُّ أنَّ عقوبةَ الذنبِ هي خَسُفٌ ومسخٌ فقط، أوَ ليسَ في قُسوةِ قُلوبِنَا، وحرمانِنَا من لذةِ الطاعاتِ أعظمُ عقوبةً، فلا تأمنْ غبَّ الذنبِ ولو بَعدَ حين 0
يا معشرَ الشباب: الشهوةُ تَبدَأُ بخاطِرةٍ، فَدَافعها قَبلَ أن تُصبِحَ فكرةً، فإن صارت فكرةً فدافعها قبلَ أن تصيرَ إرادةً، فإنَّ صارتْ إرادةً فدافعها قبلَ أن تُصبحَ همةً، فإن صارت همةً فدافعها قبلَ أن تُصبحَ فعلاً، فإن أصبحتْ فعلاً فدافعها قبلَ أن تُصبحَ عادةً مُستحكمة، يصعُبُ فِراقُها 0