فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إلينا ، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندنا ، واقطع عنا حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك ، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك .
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وحده لا شريك له ، ناجاه نبيه داود فقال له:"يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك فقال الله عز وجل ، أحب عبادي إلي ، تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحد بسوء ، أحبني ، وأحب من أحبني وحببني إلى خلقي ، فقال داود: يا رب إنك تعلم أني أحبك ، وأحب من يحبك ، فكيف أحببك إلى خلقك ، قال يا داود ذكرهم بآلائي ، ونعمائي وبلائي".
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، وحبيبه وخليله ، وخيرته من خلقه وصفيّه ، دعا ربه في الطائف ، وقد لاقى من التكذيب والإيذاء ما لا يستطيع بشرٌ على الإطلاق أن يتحمله إلا أن يكون نبياً ، دعا ربه فقال: إنْ لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي )) .
اللهم صل ، وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته أعلام الهدى ، وأبطال الوغى ، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.
عباد الله ، أوصيكم بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير .
من خلال التأمل الدقيق ، والنقل الصحيح ، يتضح أن الإنسان هو المخلوق الأول والمكرم ، بدليل أن الكون كله ، بسماواته وأرضه مسخر له ، تسخير تعريف وتكريم ، فإذا آمن الإنسان ، بأنه خالقاً عظيماً ، ورباً كريماً ، ومسيراً حكيماً ، خلقه في أحسن تقويم ، وكرّمه أحسن تكريم ، وفضله على كثير من العالمين ، أنعم عليه بنعمة الإيجاد وبنعمة الإمداد ، و بنعمة الهدى والرشاد .
إن هذا الإيمان ، وذاك العرفان يحملان الإنسان على محبة خالقه ومربيه ، فالإنسان بعقله يؤمن ، وبقلبه يحب ، وهل الإنسان إلا عقل يدرك ، وقلب يحب .. وقد ورد في الأثر: (( أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ) ).
وورد في الخبر ، أنه لا إيمان لمن لا محبة له ، فالإيمان والحب متلازمان ، تلازم الروح وبالجسد ، فما قيمة الجسد من دون روح كذلك ما قيمة الإيمان من دون حب ، وإذا صحَّ أن العقل للإنسان كالمقود للمركبة ، يقودها على الطريق الصحيح ونحو الهدف الصحيح، فإنه يصحُّ أيضاً أن القلب للإنسان كالمحرك لهذه المركبة ، يحرِّكها على هذه الطريق ونحو ذلك الهدف .. فما قيمة المقود من دون محرك ؟ إنه الجمود والموت ، وما قيمة المحرك من دون مقود ؟ إنه الهلاك والدمار .
المحبة هي قوت القلوب ، وغذاء الأرواح ، وهي الحياة التي من حُرمها فهو في جملة الموات ، وهي النور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات ، وهي الشفاء الذي من عَدِمه حلَّت به الأسقام ، وهي اللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام ، لذلك قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس بن مالك: (( ثلاث من كُنَّ فيه ، وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما ، وأن يُحبَّ المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر ، بعد إذ أنقذه الله منه ، كما يكره أن يُلقى في النار ) ).
[متفق عليه]
فإذا عرف الإنسان ربه أحبه ، وإذا أحبه خطب وده ، فاستقام على أمره ، وعمل الصالحات ، ابتغاء وجهه ، عندئذ يجد حلاوة الإيمان بعد أن ذاق جحيم الكفر ، إن الإنسان وقد عرف هذه المعرفة ، وذاق هذه الحلاوة ، يصبح شغله الشاغل ، التقرب من المحبوب ، يقول الله تعالى فيما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه ، في حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري: (( لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأُعطينه ، ولئن استعاذني لأُعيذنه ) ).
كثيرون هم الذين يدّعون محبة الله ورسوله ، ولا تجد في أعمالهم ما يُثبت ذلك ، إنهم خاضوا بحار الهوى دعوى ، وما ابتلوا ، ولو يُعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي ، لذلك طولب المدَّعون بإقامة الدليل على صحة دعواهم ، فقال تعالى:
[سورة آل عمران]
تعصي الإله وأنت تُظهر حبَّه هذا لعمري في المقال بديعُ
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيعُ
ولقد ردَّ الله عز وجل على هؤلاء الذين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه ، فقال:
[سورة المائدة ]
ومن هنا استنبط الإمام الشافعي - رحمه الله - أن الله لا يعذب أحبابه .
محبة الله أصل: ومن فروعها محبة النبي صلى الله عليه وسلم ، فليس أحد بعد الله تعالى أمنَّ علينا في هدايتنا ، وسعادتنا من رسولنا صلى الله عليه وسلم .
[سورة التوبة]
لذلك قُرنت محبة الرسول صلى الله عليه وسلم بمحبة الله تعالى في معظم آيات القرآن، وفي السنة المطهرة ، قال تعالى:
[سورة التوبة]