فضيلة الشيخ الدكتور / علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
ها نحن وقد أطل عام جديد يضاف إلى ما منّ الله به - عز وجل - علينا من فسحة العمر ، ويذكرنا بتناقصه وسرعة انقضائه وقرب نهايته ؛ ليكون ذلك موضع عظةٍ وعبرةٍ ، وليس هذا مجال حديثنا ، ولكننا ننظر فنرى في هذا العصر وفي الآونة الأخيرة منه غلبة الأعداء على أمة الإسلام .. ليس في ميادين المعارك التي تفوقوا فيها بأسباب المادة إزاء ضعف المسلمين في إيمانهم وتفرقهم في صفوفهم ، بل غلبوا في ميادين الاقتصاد التي فرضوها على أمة الإسلام .
وغلبوا وانتصروا في ميادين الإعلان ن التي طبقت الآفاق ، ولم تدع شاردة ولا واردة ، ولا قطراً ولا مصراً إلا وجاءت عليه ، ومرت به وألقت ما فيها عليه حتى أعوج لسان كثيرٍ من أبناء الأمة الإسلامية ، وتغير فكرهم ، وتحولت أهوائهم ، وسرنا نسمع عام ألفين وكذا حتى كأنما نحن أمة ليست أمة الإسلام ! وليست أمة العرب ! وليست أمة الهجرة النبوية !
ونرى أن كثيراً من الأحوال تضبط بهذا ، وأن كثيراً من التواريخ المهمة في تاريخ الأمة المعاصر لم تعد تمتّ إلى الهجرة وإلى تاريخ الأمة وتراثها بصلة ، حتى كأن هناك انسلاخٌ عظيمٌ ، وكأن هناك تجردٌ كبيرٌ ، وتغيّر ظاهرٌ يستهدف هوية الأمة ،ويقطع حبالها الموصولة بتاريخها ، ويبتّ صلتها بماضيها .
ونحن نقف اليوم وقفة مع إطلالة عامٍ هجريٍ جديد ؛ لنرى ماذا في تاريخ الهجرة ؟ لنرى ما ينبغي أن نتذكره ونعرفه ؟ بدلاً من أن نسمع ما أصبح عند الناس معتقداً راسخاً وأمراً مقبولاً مسلّماً من أن الضبط بالتاريخ لا يكون إلا بذلك التاريخ الميلادي ، وأن ضبط الأمور المادية لا ينحسم إلا به ، وأن كثيراً وكثيراً من الأمور يصبح فيها من الخلل واضطراب إذا أخذنا بتاريخ الهجرة !
لننظر إلى تاريخ الهجرة - أيها الأحبة الكرام - لنرى أنه ليس مجرد أرقام ، وليس مجرد أعوام ، وليس مجرد تاريخٍ نكتبه بهذه الطريقة أو بتلك الطريقة ، وإنما هو أكثر من ذلك وأعظم .
أولاً: شعار أمة
هذه الأمة الإسلامية أمة التميز لا التميع .. أمة التفرد والسبق التي أراد الله - عز وجل - لها أن تكون في صبغة مستقلةٍ واحدةٍ في كل شأنِ من شؤونها ، وفي كل أمرٍ من أمورها بدءاً من الأمور العظيمة الجسيمة ، وانتهاءً بالأمور التي يظنها بعض الناس شكليةَ دقيقة .
لننظر إلى تميز الأمة في كل شيء .. تميزها في كتابها الذي منَّ الله - سبحانه وتعالى - به عليها ، ذلك الكتاب الذي جعلت له مزيةٌ لم تكن لما قبله من الكتب: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } .
{ آلم * ذلك الكتاب لا ريب فيه } .. ذلك الكتاب الذي جاء متميزاً مستقلاً عما سبقه من الكتب ، وإن كان صدقاً لما بقي فيها أو لما كان في أصلها من صوابٍ وصدقٍ ، لكنه جاء أعظم منها وأشمل منها ، كما أخبر الحق سبحانه وتعالى: { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه } .
{ ومهيمناً عليه } ، قالوا:"حاكماً عليه"، وقالوا:"شاملاً لكل ما جاء من خيرٍ لكل ما سبقه"، وقالوا:"أنه مؤتمن عليها".. وكلها معانٍ ، ويذكر أهل التفسير أكثر من ذلك تدل على تميّز هذا الكتاب واستقلاله بنفسه .
بينما لو نظرنا في التوراة والإنجيل نرى بينهم ترابطاً ، وما الإنجيل إلا استكمالٌ للتوراة ، وما هو إلا إلحاقٌ لها ، وتأكيد لبعض أحكامها ، ونسخ لبعض أحكامها ، ومنها دائماً تجد الربط بينهما والذكر بينهما في القرآن الكريم كما قال جل وعلا: { وقفينا على أثارهم بعيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وأتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين } .
والمصطفى - صلى الله عليه وسلم - رسول الأمة جاء أيضاً متميزاً ، فجاء من فرعٍ آخر غير فروع بني إسرائيل ، الذين كانت فيهم النبوة من أبناء إسحاق ، فجاء من ولد إسماعيل - عليه الصلاة والسلام - وهو الذي قال في نسبه: ( أنا خيارُ من خيارٍ من خيارٍ ) .
وكانت اليهود ترتقب خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما جاء من العرب لا من العبرانيين كفروا به ولم يتبعوه ، وهذه حكمة من الله ألا يكون ثمة شيء فيه استتباع أو إلحاح ، بل تفرد أراده الله - عز وجل - لهذه الأمة .
ومن التفرد تفردها بتاريخها .. بالهجرة النبوية الشريفة .. بأيامها ، فالجمعة هي عيد الأسبوع ، وهي التي فيها تميزُ ظاهرُ بينُ شفه النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري من حديث أبي هريرة عن رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( نحن الآخرون السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم وهذا اليوم الذي كتب الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله تعالى له - يعني يوم الجمعة - فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً - أي في يوم السبت - والنصارى بعد غد - أي في يوم الأحد ) .