فهرس الكتاب

الصفحة 7383 من 9994

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يشير في هذا الحديث إلى تميّز الأمة وسبقها: ( نحن الآخرون ) ، أي زمناً ووقوعاً بعد الأمم التي سبقت .. ( السابقون ) ، أي منهجاً وفضلاً ومزيةً على سائر الأمم .

ثم اخبر عليه الصلاة والسلام: ( بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ) ، أي في التاريخ لا في التميز والتفرد والسبق ، وقال عليه الصلاة والسلام (وهذا اليوم الذي كتب الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله تعالى له ) ، فكانت اليهود في السبت ، والنصارى في الأحد ، وجاءت أمة الإسلام بالهدي وبالحق في الجمعة الذي تسبقهما ، إشارة إلى ذلك التميز والسبق والفضل .

وإذا جئنا إلى"التاريخ"أيضاً ، فنجد فيه الأعياد .. فأعيادنا تختلف حتى في زمانها وفي مناسباتها .. إنها في أعقاب الأركان - في أعقاب الحج وفي أعقاب الصيام - إنها في أعقاب الطاعات والعبادات .. إنها تأكيدٌ وقيامٌ بشأن طاعة الله عز وجل والعبادات ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن عيد الأضحى فقال:

"إن أول ما نبدأ من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل فقد أصاب سنتنا".

ولذلك لا عيد لأمتنا إلا هذان العيدان اللذان أخبر بهما النبي صلى الله عليه وسلم .

إذاً فالتاريخ ليس مجرد تاريخ ، وإنما هو أمرٌ تنصبغ به حياة الأمة ؛ لتكون مختلفةً عن غيرها ، متميزةً عن غيرها ؛ وإلا فإن من دعى إلى أن نلغي التاريخ الهجري ، أو أن نجعله جانياً ؛ فإنه سيدعونا - كما رأينا ونرى - أن نجعل السبت أو الأحد هو عطلة الأسبوع ؛ لنتوافق مع الاقتصاد ، ومع أحوال العالم ، ثم سنتظر شيئاً فشيئاً ، فكأننا مسخ لا لون له ولا طعم ولا رائحة ، ليس فيه تميزٌ ، وليس فيه الأمة التي اصطفاها الله - عز وجل - واختارها لتكون هي الأمة الحاكمة الشاهدة على الأمم: { كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله .. } .. { وكذلك جعلناك أمةَ وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً } .

فالتاريخ هو شعار أمة وعنوانها وتميزها .

وأمرُ ثانِ: التاريخ الهجري ذاكرة أمة

ذاكرة أمة تربطها بأعظم حدثٍ غيّر وجه التاريخ الإنساني كله ، وبأجلّ حادثةٍ كان لها ما بعدها في شأن البشرية جمعاء لا في شأن أمة الإسلام وحدها .

إنه ذلك الأمر الذي يرتبط بحدثٍ فيه عملٌ وجدٌّ ، وفيه كسبُ وجهادُ ومعاناة .. ارتبط تاريخنا بفضل الله - عز وجل - وبفضل ما أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم ، وإجماعهم في ذلك تشريع مقبول ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ) .

لم يرتبط التاريخ بميلاد أو وفاة ؛ لأن الميلاد والوفاة ليس في ذاته عظيماً ، ولأن الميلاد والوفاة ليس لصاحبه فيه أمر أو عمل ، وإنما ارتبط بأعطم وأجلّ ما بذله النبي - صلى الله عليه وسلم - وأدار به دفة الدعوة في الطريق إلى قيام الدولة ، والذي كان له ما بعده .

يجب أن تنتبه إلى هذا المعنى ، وهو الذي ينبغي أن يلتفت إليه ، وأن ينظر إليه ، وأن لا يغيب عن ذهنها مطلقاً ؛ فإن هذا له أثره ، بينما نرى أن هذا التميز الذي أشرنا إليه ، والذاكرة موجود' بين الأمم كلها - أيها الأحبة الكرام - إنه ليس حتى مجرد قضية ترتبط بالأديان .. نحن نعرف أن الصينيين عندهم سنة صينية يقيمون لها احتفالات ، ويؤرخون بها تاريخهم ، ويربطون بها أحداثهم ، ويجعلونها هي التي تبرز مآثرهم .

والفارسيون - أيضاً - في إيران لهم تاريخهم وسنتهم ، وكثير من الأمم والأقوام .. فلماذا يحلو لأولئك أن يذكروا هذا ، وأن يفتخروا به ، وأن يتنبهوا له .

ونحن ليس في هجرتنا ولا في مبدأ عامنا عيدٌ ، ولكنها ذكر وعبر ، فينبغي أن لا نغيب عن هذا أو لا نغيب عنه ، والهجرة وتاريخها أيضاً مبعث همة ؛ فإن بداية كل عامٍ يحتاج إلى همة ، ويحتاج إلى عزيمة يحتاج إلى شحذ للقوى ، وإلى حشد للطاقات ؛ حتى تنطلق في مبدأ العام بهمة وانطلاقة .

فانظر إلى ما يبعثه التاريخ الهجري من همة ، وما يصبه في النفوس من عزائم ؛ لأنه مرتبطٌ بالهجرة .. ليس مرتبط بمجرد ميلاد أو وفاة ، وليس مرتبط - أيضاً - بشيءٍ من العادات أو التقاليد أو الخرافات التي نراها في الأمم السابقة ، وفي الأمم الأخرى .. ماذا يصنع كثير من الناس - سواء كانوا من أهل الديانات أو من أهل القوميات - بدء عامهم ؟

إنها الاحتفالات الصاخبة .. إنه الاختلاط الآثم .. إنه تغيّب العقول بشرب المسكرات و المخدرات .. إنهم يغيبون أنفسهم .. إنهم يبدأون عامهم بشيء من اللهو والعبث والغياب والتجهيل والوهم ، الذي يغرقون أنفسهم فيه ، فأي شيءِ يربطنا بتاريخنا الهجري في مبدأ العام ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت