ولكنا لا نقول: مت كمداً ، وإنّما نقول: تدارك أيامك ، فأنت تتعامل من رب رحيم ، عفوّ ، غفور ، يحب توبة التائبين ويجزل الأجر للعاملين ، (( وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ) ) [5] .
ويا من عزم على التوبة في هذا الشهر الكريم:
اعلم أنك في ابتلاء وامتحان ، وإن من شيم الرجال أنهم إذا عاهدوا وواعدوا وفوا بعهدهم ، وهذا مع بعض الناس لبعض ، فكيف إذا كان عهدك مع مولاك وخالقك ورازقك ؟
فيا من أعتقه مولاه من النار ، إياك أن تعود بعد أن صرتَ حراً إلى رق الأوزار ، أيبعدك مولاك من النار وأنت تتقرب منها ، وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ، ولا تحيد عنها؟
وإنّ امرءاً ينجو من النار بعد ما تزوّد من أعمالها لسعيد
ويا من ترجو العتق من النار ، وقد سألت ربك في شهر رمضان ! اعلم أنه لا بدَّ أن تأتي بأسباب توجب العتق ، فخذ بهذه الأسباب ، وهي الحمد لله ميسرة سهلة ، ومن أعظمها ، دوام الطاعة والاستمرار عليها .
فحذار حذار ، من النكوص ، فتلك والله من خصال المنافقين ؛ لأن قلوبهم - بسبب ما ران عليها - أضعف من أن تحتمل وطأة المداومة وشدة مجاهدة النفس ، وهي أيضاً أبعدُ من أن تتلذذ بحلاوة الإيمان والطاعة والانتصار على هوى النفس وشيطانها ، وأنصحك بأمرين:
الأمر الأول: أن تكون لك عزيمة صادقة قويَّة - من عزائم الرجال - على ا لطاعة والمداومة عليها ، مهما كانت الظروف والأحوال .
الأمر الثاني: القصد في الأعمال ، وعدم الإثقال الشديد على النفس ، فإن ذلك أدعى إلى المداومة .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ ) ) [6] .
وتأمل قوله: أحب الأعمال إلى الله"، ويأتي بعد ذلك التدرج بالأعمال ."
اهتمام السلف بقبول العمل: وينشأ هذا من أمرين:
أحدهما: الإخلاص لله في العمل ، قبل فعله وأثناء فعله .
الثاني: بُعد النفس عن العجب بعملها ، ولو كان كثيراً .
والسلف رحمهم الله كانوا يهتمون بإتمام العمل وكماله ، ثم يهتمون بقبوله ويخافون ردّه .
عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: (( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) ) (المؤمنون: 60) .
قالت: هم الذين يشربون الخمر ويسرقون ؟ ، قال صلى الله عليه وسلم: (( لا ابنة الصديق ، ولكنهم الذين يصومون ويصلون وتصدقون ، ويخافون أن لا يقبل منهم ، أولئك الذين يسارعون في الخيرات ) ) [7] .
وقال تعالى: (( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) ) ( المائدة: 27) .
قال علي رضي الله عنه: كونوا لقبول العمل أشدَّ اهتماماً منكم بالعمل ، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: (( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) ).
وقال فضالة بن عبيد الأوسي الأنصاري من أهل بيعة الرضوان: ( لأن أكون أعلم أن الله تقبل مني مثقال حبة من خردل أحبُّ إلى من الدنيا وما فيها ، لأن الله يقول:(( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) ).
وقال مالك بن دينار: ( الخوف على العمل أن لا يتقبل أشدُّ من العمل ) .
وقال عبد العزيز بن أبي روّاد: ( أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح ، فإذا فعلوه وقع عليهم الهمَّ أيقبل منهم أم لا ؟ ) .
وكان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر ، فيُقال له: إنه يوم فرح وسرور ، فيقول: صدقتم ، ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملاً ، فلا أدري أيقبله مني أم لا ؟ ) .
لعلك غضبان وقلبي غافلُ سلام على الدارين إن كنت راضياً .
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ينادي في آخر ليلة من رمضان: ( يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ، ومن هذا المحروم فنعزّيه ) ، وكان يقول ذلك ابن مسعود رضي الله عنه .
تنبيهات سريعة في ختام هذا الشهر الكريم:
زكاة الفطر ، وهي واجبة على الجميع ، وأحكامها معروفة ، لكن أنبه إلى مسألة ، ألا وهي ، أن جمهور أهل العلم على أن إخراج قيمة زكاة الفطر لا يجزئ ، بل لا بدَّ من إخراج الطعام من غالب قوت البلد .
سنة التكبير المهجورة في ليلة العيد وصباحه إلى صلاة العيد .
صيام ستة أيام من شوال ، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الحديث: (( من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر ) ) [8] .
[1] رواه البخاري (38) ، ومسلم (760) .
[2] رواه البخاري (38) ، ومسلم (760)
[3] رواه البخاري (35) ، ومسلم (760) .
[4] رواه الإمام أحمد 2/292.
[5] رواه البخاري (7405) ، وفي مواضع من الصحيح ، ومسلم (2675) .
[6] رواه البخاري (43، 6462 ، 6465) ، ومسلم (782) ، وأبو داود (1368) ، وأحمد (6/ 40، 61، 125، 165) كلهم من حديث عائشة رضي الله عنها .
[7] رواه الترمذي (3175 ، وابن ماجه(4198) ، من حديث عبد الرحمن بن سعيد ابن وهب الهمداني عن عائشة رضي الله عنها ولم يدرك عبد الرحمن عائشة رضي الله عنها كما في التهذيب (6-169) .
[8] رواه مسلم ، (1164) ، وأبو داود (2433) ، والترمذي (759) ، وابن ماجه (1716) من حديث ثوبان رضي الله عنه .
مما يتميز به هذا الشهر الكريم ، مضاعفة الحسنات فيه ، ولذا تكثر فيه الأعمال الصالحات من تلاوة القرآن، وعبادة الله وقيام الليل، والإحسان إلى الفقراء والمساكين ، فإنني أحب أن أذكر إخواني من رزقهم الله مالاً من الموسرين ، بأمرين:
الأمر الأول: أن يذكروا إخوانهم الفقراء المحتاجين ، وألا يأخذهم الشحّ أو الخوف من التغيرات الاقتصادية إلى ألا ينفقوا ، وأن يبذلوا في هذا الشهر الكريم وفي غيره ، وليعلموا أن الله هو الرزاق ، وليذكروا فضل الصدقة ، والآيات الواردة فيها كثيرة ، وكذا الأحاديث ، ولكن سأذكرهم الآن بحديث وحادثة:
أما الحديث: فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس: قال يزيد: فكان أبو مَرْثد لا يخطئه يوم إلا وتصدق فيه بشيء ولو كعكعة أو بصلة ) ) [1] .
أما الحادثة أو القصّة ، فاسمعوها واعجبوا !!
فقد وقع لأحد الصحابة مع زوجته: فهذه سعدى امرأة طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه دخل عليها زوجها يوماً من الأيام ، فرأت منه ثقلاً أي عدم نشاط كحال المهموم فقالت: مالك ، لعله رابك منا شيء فنعتبك:
أي نطلب رضاك عن الإساءة - قال: لا ، ولنعم حليلة المرء المسلم أنت ، ولكن اجتمع عندي مال ، ولا أدري كيف أصنع به ؟ قالت: وما يغمك منه ؟ ادع قومك فاقسمه بينهم: فقال: يا غلام ، علىّ بقومي - فسألت الخازن: كم قسم ؟ قال: أربعمائة ألف . [2]
فانظروا وتأمّلوا في هذه القصة:
* تاجر همه اجتماع المال عنده ، يبحث له عن مخرج يرضي ربه تعالى ، ليكون له ذخراً عند الله تعالى .
* وزوجة يا لها من زوجة لم تقل لزوجها: نحن أحوج إلى المال ، وأين مستقبلنا ومستقبل الأولاد ، بل أعانت زوجها على الخير والنفقة في سبيل الله .
* ثم هي أيضاً امرأة كريمة تحت صلة رحم زوجها، فقالت: ادع قومك ، فليست بحسودة ولا من يحصر فضل زوجها على أقاربها هي:فتأمَّلُوا هذه الأحاديث ، والحوادث لسلفنا الصالح .
الأمر الثاني: فهو أمر طالما شغل بالي منذ سنين طويلة ، وخلاصته: أن كثيراً من الناس والأغنياء منهم خاصة لا ينفق إلا قليلاً في أثناء حياته ، ثم إذا دنا أجله وقربت وفاته كتب وصيته التي لا تنفذ إلا بعد موته وكتب فيها أنه يوصي بربع أو ثلث ماله في سبيل الله تعالى: والذي يحدث في الغالب: