فهرس الكتاب

الصفحة 8332 من 9994

موسوعة الخطب المنبرية

الباب الثالث

خطب ودروس غير مرتبة

جمع وإعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

أين أنت غداً؟!

الشيخ سالم العجمي

الحمد لله الذي قضى على كل مخلوق بالفناء، وتفرد بالعز والبقاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، له الأسماء الحنسى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد عباد الله..

فاعلموا أن الموت هو الخطب الأفظع، والأمر الأشنع، والكأس التي طعمها أكره وأبشع، وهو الأهدم للذات، والأقطع للراحات، وهو السلطان الذي لا يرد حكمه.. ومن تأمل في نهاية أمره وما يصير إليه حاله، أورثه ذلك خوفا لا ينقطع.

إن الموت هو الحقيقة الواقعة التي لا مفر لأحد منه، والغاية التي يرتقبها كل عبد لا يدري متى تحل به.

إن العبد إذا عاين الاحتضار نزلت إليه الملائكة لقبض روحه فيراها بعينه آنذاك ويوقن بالحقيقة التي طالما تمنى ألا تأتي، فإذا به ملهوف وجل وقد زاغ بصره وارتجف قلبه، وإذا بالناس حوله يخاطبونه وينادونه، وهو في عالم آخر يرى ما لا يرون، ويسمع ما لا يسمعون، {فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} .

فإذا ثقل عليه الموت وعاين سكراته اشتد ألمه، وبرد جسمه، وثقل لسانه، وارتخت يداه، وإذا بالناس حوله باكون، {وقيل من راق} لعل رقية تنفعه وتدفع ما به، {والتفت الساق بالساق * إلى ربك يومئذٍ المساق} ، هنا نهاية المطاف وآخر الرحلة التي يسابق إليها كل حي.

وإذا بالمرء ينتقل من سعة الدنيا إلى ضيق اللحود، ويبقى مرتهناً بعمله في ذلك القبر الضيق الذي لا تصله فيه نسمة هواء، وقد تقطعت به الأسباب، وفارق الأهل والأصحاب ولم يبقَ له إلا رحمة الرحيم الرحمن، فإن كان من أهلها فقد فاز، وإن لم يكن من أهلها فقد خسر خسراناً مبيناً.

وقد بين لنا الصادق الأمين وأنصح الخلق للخلق صلوات ربي وسلامه عليه، ما يعرض للعبد من حين قبضه إلى حين بعثه، وما يعرض له في قبره، مما ينقطع معه العذر وتقوم به الحجة.

فإن العبد إذا حضره الموت وكان من أهل الطاعة والاستقامة وقد كتب الله له رضوانه، نزلت إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وطِيب من طيبها، فيجلسون منه مد البصر، ويجيء ملك الموت ـ عليه السلام ـ حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم} .

فتسيل روحه كما تسيل القطرة من فم القِربة، بسهولة ويسر، فيأخذها ملك الموت، فإذا أخذها لم يدعها الملائكة في يده طرفة عين فيأخذونها ويجعلونها في ذلك الكفن وذلك الطيب، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى يُنتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين في السماء السابعة وأعيدوه إلى الأرض في جسده.

وأما إذا كان العبد من أهل الشقاوة نزلت عليه ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح وهو كِساء غليظ من الشعر فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب فتتفرق في جسده فينتزعها كما تنتزع الحديدة ذات الأسنة الملتوية من الصوف المبلول بغاية من الصعوبة والشدة، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح فلا يفتح له، قال تعالى: {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} ، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، ثم تطرح روحه طرحاً، فتعاد روحه في جسده.

فإذا وضع الميت في قبره وأعيدت روحه إلى جسده تعرض للسؤال والفتنة، وفتنة القبر: هي سؤال الملائكة للميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه ـ صلوت ربي وسلامه عليه ـ، فمن موفق بالتثبيت ومن مخذول بعدم التثبيت، قال صلى الله عليه وسلم:"إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه لَيسمعُ قرعَ نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيسألانه".

وزيادة في الفتنة على المقبور فإن الملكين يأتيان بأبشع صورة، قال صلى الله عليه وسلم:"إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما مُنكر والآخر النكير..".

فأما العبد المؤمن فيثبته الله عند سؤال الملكين حين يسألانه، فيقولان من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان: ما دينُك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان: ما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقته، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة، فذلك قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة..} .

فيفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها ويوسع له في قبره مد البصر وينور له فيه ويقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعاً.

ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، يسأل عن الرجوع إلى أهله حتى يبشرهم بما مَنَّ الله عليه من النعم.

فيقال له: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا كأحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك.

وأما العبد الفاجر فتعاد روحه في جسده ويأتيه الملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما دينك، فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا تليت كنا نعلم أنك ستقول هذا، ثم ينادي مناد من السماء أنْ كذب فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويقال للأرض: التئمي إليه، فيضيق عليه قبره حتى تختلفَ أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك القبيح يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث.

ثم يضرب بمطارق من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الجن والإنس فيقول: رب لا تقم الساعة، ـ هنا عرف أن له رباً وأن هناك ساعة ـ.

وبالرغم من العذاب الذي هو فيه، يتمنى ألا تقوم الساعة لعلمه أن عذابه فيها أشد وأعظم.

إن القبر عباد الله: أنصح واعظ وأصدقه، ومن علم ما يجري فيه من الأهوال تنغص عيشه، وعظم خوفه لربه، قال صلى الله عليه وسلم:"ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت