فهرس الكتاب

الصفحة 7998 من 9994

وثمة صورةٌ أخرى ذكرها الله عن المترفين وهي ما عابه سبحانه على قوم لوط حين قال: (( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَر ) ) (العنكبوت:29) .

فهم يقيمون المنتديات المحرمة في بيوتهم وفي غيرها مع ارتكاب المعاصي جهاراً والإسراف في تناول الملذات وتضيع الحقوق والواجبات فيا بؤسا لأهل الترف حيث يقال لهم: (( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ) ) (الأحقاف:20) .

أيها المسلمون:

الترف دركات بعضها أسوأ من بعض، وألوانٌ وأنواع بعضها يرقق بعضاً فمن الناس مَنْ طغيانه وتوسعه في طلب المال إما من الحرام والمتشابه وإما إغراقٌ في الحلال ينسيه ما خُلق من أجله ويعلّقه بمباهج الحياة وقد حذر الله من ذلك في قوله: (( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) ) (الحديد:20) .

في صحيح البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال محذراً: (( فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم ) ).

ومن هذا النوع التوسع في المآكل والمشارب والتفنن في إعداد الطعام وكثرة الحديث عنه والتفاخر به والله تعالى لم يحرم علينا ذلك لكن كرهه لنا وحثنا على الارتفاع عن جميع ذلك والتعلّق بنعيم لا يزول .

قال سبحانه: (( وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) ) ( الأعراف:31) .

وسبق أن سمعتم ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه من كفاف العيش ومن كلام الحكماء ( كل العيش قد جّرّبناه فوجدناه يكفي منه أدناه والشبع وملء البطن يكسّل عن العبادة ويسبب عدم القدرة على صيام التطوع ، ويضعف الورع ويقسّي القلب، ويجلب كثرة النوم وهو من الترف المضيعّ للأوقات المنقص للدرجات .

قال أبن رجبٍ ـ رحمه الله ـ ما خلاصته ( من أخذ الدنيا من وجوهها المباحة ، وأدى واجباتها، وأمسك لنفسه الزائدَ على الواجب يتوسّع به في التمتع بشهوات الدنيا فلا عقاب عليه إلا أنه ينقص من درجته في الآخرة بقدر توسّعه في الدنيا .. قال أبن عمر: لا يصيب عبد من الدنيا شيئاً إلا نقص من درجته عند الله وإن كان عليه كريماً.. وقال عمر:"لولا أن تنقص حسناتي لخالطتكم في لين عيشكم ولكني سمعتُ الله غَيّر قوماً"

فقال: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) .

عباد الله: للترف أثر بالغ في الدول والمجتمعات بل هو معولُ هدمٍ لطاقاتها وقدراتها فهو يُغري ، صاحبه بالإخلاد إلى الأرض والخوض في الدنيا، والتعلّق بالمناصب والجاه والمال ونسيان معالي الأمور وعدم المخاطرة بالنفس في طلب العلم والجهاد .

يقول الله تعالى: (( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) ) (القصص: 58) .

قال القرطبي:(البطر هنا هو الطغيان بالنعمة وقيل:سوءُ احتمالِ الغنى بأن لا يحفظ حق الله فيه وجميعه يرجع إلى الترف الذي هو التوسّع في كل شيء متى يدخل العبد في الدوائر الممنوعةٍ شرعاً .

جعلنا الله وإياكم ممن إذا أُنعم عليه شكر، وإذا ابتلى صبر، وإذا أذنب استغفر.

الخطبة الثانية

أما بعد: فقد عُلِمَ مما سبق خطورة الترف وأنه يورث صاحبة قلةَ الصبر وضعفَ العزم وعظيم الكسل عن الخير من صدقة وعلم وصلاةٍ ونحوها من الطاعات، وأنه يُضْعِفُ الأمّة عن مقاومة أعدائها، ويُنزلها من عليائها . ( الترف وأثره في الدعاة والصالحين محمد موسى عقيل )

ولربما قاد صاحبة كفران النعم وعدم الشكر .

كما قال الله جل وعز: (( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) ) (النحل:112) .

وقال عن قوم سبأ: (( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) ) (سبأ: 15) .

إٍننا يجب أن نوقن أن بسط اللهِ سبحانه الرزق لنا نوعٌ من الابتلاء والامتحان وليس لحبّه لنا وإلا فقد علمنا كيف كانت حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ، بل كيف كانت حياة آبائنا وأجدادنا قبل سبعين سنة وأكثر مع ما كانوا عليه من المحافظة على حدود الله ، وقلة المعاصي ، والتاريخ مليء بالعبر والعظات لمن أبطرتهم النعم وقَلَّ شكرهم لها ، وأسرفوا وأُترفوا . هذه أم الوزير جعفر البر مكي دخلت على أناسٍ في عيد الأضحى وعليها ثياب رثّه تطلبُ جلد شاة فكان مما قالت: (لقد مَرَّ علي العيد فيما مضى وعلى رأسي أربعمائة جارية وأنا أزعم أن أبني عاقٌ في وقد أتيتكم يقنعني جلدُ شاتين ، أجعل واحداً منهما فراشاً لي) .

وهذا المعتمد بن عباد أحد حكام الأندلس وصاحب الأعطيات والشعر هاجمه البربر ونهبوا قصره وأسروه فذهبوا به إلى طنجهٌ بعد أن أفقروه ثم سجن بأغمات عامين وزيادة في قلّة وذله فدخل عليه بناته يزرنه يوم عيد وكن يغزلن بالأجرة فرآهنَّ في أطمارٍ بالية بعد أن كان يخلط لهن المسك بالكافور ليتزلجن عليه ويعبثن به فقال: فيما مضى. ترى برزن . يطأن في الطين.

والشواهد على هذا أكثر من أن تحصر جعلنا الله ممن يتعظ ويعتبر .

عباد الله: فإن الشكر والاقتصاد قيدٌ للنعم، والسعيد من اتعظ بغيره وليس العاقل الخائف من ربه مَنْ يبتعد عن الحرام الصريح الواضح فقط بل من يجعل بينه وبين المتشابه حاجزاً، أما من يترك كثيراً من الحلال خوف الحرام فهو المتقي جعلنا الله وإياكم كذلك .

[1] أخرجه مسلم عن أبي هريرة (6412 )

[2] خرجه الترمذي[ إسناده حسن انظر التفسير الصحيح حكمت بشير جـ4ص667

[3] أخرجه الترمذي والحاكم .

[4] متفق عليه .

الحمد لله رب العالمين ؛ خلق الخلق بقدرته، وقضى فيهم برحمته وعدله ، لا يقع شيء إلا بأمره، ولا يقضى شأن إلا بعلمه (( يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) )أحمده على ما هدانا وأولانا ، وأشكره على ما أعطانا وآوانا ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ لم يقدره الخلق حق قدره، ولا عبدوه حق عبادته (( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) )وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمدا عبد الله ورسوله ؛ أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت