فهرس الكتاب

الصفحة 5896 من 9994

#فاستقم كما أمرت

محمد العواودة

تشكل مباني الإسلام الخمسة عماد الدين وجوهره، وعلى ممارسة هذه الشعائر يدأب كل من أسلم وجهه لله، تنفيذا لامر الله وطاعته، إلا أن الكثير ومع تمسكهم بممارسة هذه الشعائر، يكونون أقل دأبا بالالتزام بمسائل التشريع الأخرى، ظنا منهم أن عدم الالتزام فيما سوى الأركان (بتأويل كان أو غير تأويل) سيذوب في الأركان من حيث الثواب، وأن هذه الأركان وحدها ضمانة الله لعباده لدخول جنته أو دفع عذابه.

إلا أن الحقيقة تجانب هذا الفهم للدين، فالإسلام كشرع ومنهاج أعم وأكبر من أن يختزل في أركانه الخمسة أو أن يترتب على ممارستها فقط جنة أو دفع عذاب، فبالرجوع إلى المعنى الحقيقي للإسلام؛ فهو الاستسلام انقيادا وانصياعا بالكلية لامر الله المتمثل في شرعه، فلا يجوز أن نؤمن ببعضه ونكفر ببعض انقيادا وراء الأهواء والشهوات، فالشرع جملة متكاملة من الأحكام يكون الإخلال بشيء منها قدحا بالهوية من جهة ويكون على حساب ما تكامل منها من جهة أخرى، والكلام هنا ليس لمن قال الله فيهم (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) بل لمن انتهج ما تقدم كطريقة حياة باسم الإسلام.

والقدح بالهوية يكون بانتزاع كمال صفة الانقياد لامر الله التي على إثرها سمي المسلم مسلما، أو كمال صفة التصديق والإخلاص التي على إثرها سمي المؤمن مؤمنا، مثال قوله صلى الله عليه وسلم"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"أو قوله"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"فمع أنه بالعرف يكون مسلما، ودمه وماله وعرضه معصوم باسم الإسلام إلا انه لا يتحقق فيه المعنى الشرعي الأصيل بالتسليم الكامل لامر الله، ولا يبعد معنى الحديث الثاني عن الأول والأحاديث كثيرة في هذا السياق.

وأما ما يكون فيه الخلل على حساب ما تكامل منها، فيكون بمرجوح الميزان، إذ"تأكل السيئات الحسنات كما تأكل النار الحطب"كما في الخبر، فلا تكفي إذا الممارسة للشعائر المجردة عن الإخلاص المخول للاتساق مع المراد الشرعي من الإسلام لرجحان الميزان، الذي هو بيت القصيد لكل مسلم، فيما قد يؤدي الأمر في منتهاه إلى الإفلاس في رصيد مما كان قد أثيب فيه من عمل صالح ولا سيما ثواب ممارسة الأركان، ففي الحديث الثابت عنه صلى الله عليه وسلم، أنه سأل أصحابه يوما عن ماهية المفلس، فقالوا المفلس من لا درهم له ولا متاع. فقال صلى الله عليه وسلم إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه ثم طرح في النار.

فالأحاديث واضحة في المسألة، ولا مناص من التطبيق الكامل لمسائل الشرع، إذا كنا نهتم فعلا بالحياة الآجلة التي هي حصاد العاجلة، وما يترتب على هذا الحصاد من عقاب وثواب، وسعادة وبؤس على صفة الدوام.

وإذا كنا فعلا نريد أن نهتم، فالعلاج النافع لذلك هو الإخلاص بالخضوع الكامل للتشريع، والإخلاص منبته الإحسان، والإحسان كما هو معروف، أن"تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، فإذا كان العبد يرى الله في جميع تصرفاته، فذاك يعني أنه استقام لامر الله ويستحق كرمه وعطاءه (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) ، فجعل الله الاستقامة شرطا لدخول الجنة، ولا ينبو عن الفهم من دليل الخطاب، أن ممارسة الشعائر الدينية وحدها لا تفي بمقصود الاستقامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت