فهرس الكتاب

الصفحة 5616 من 9994

#عام هجري جديد ... ... ...

ناصر محمد الأحمد ... ... ...

ملخص الخطبة ... ... ...

1-الأيام تمضي وهي أعمارنا التي تحملنا إلى الآخرة. 2- تباين أحوال الناس في العام المنصرم. 3- انصرام السنين قد يكون نعمة وقد يكون نقمة. 4- أزماتنا في العام المنصرم تذكرنا بمعاناة رسول الله عام الحزن. 5- الفجر يولد من الظلام ، واليسر يأتي بعد العسر. 6- الإسراء والمعراج بالنبي صلى الله عليه وسلم ودلالاته. 7- دعوة لمحاسبة النفس والاعتبار بمرور الليالي والأيام. ... ... ...

الخطبة الأولى ... ... ...

أما بعد:

وبعد ساعات قليلة ينتهي عام 1421هـ، إنها قنطرة نوشك أن نعبرها لتستقر أقدامنا على قنطرة أخرى، فخطوة نودع بها، وأخرى نستقبل بها، ونقف بين قنطرتين مودعين ومستقبلين، مودعين موسماً كاملاً أودعنا فيه ماشاء الله أن نودع، فخزائن بعضنا ملأى بما هو له، وخزائن بعضنا ملأى بما هو عليه، فلا إله إلا الله، يخلق ما يشاء ويختار، وما ربك بظلام للعبيد .

أيها المسلمون: إن هذه الجمعة هي آخر جمعة في هذا العام، الذي أوشك رحيله، وصدق الله العظيم، ومن أصدق من الله قيلاً: يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ، قال الله تعالى: وتلك الأيام نداولها بين الناس .

وهذا السير الحثيث يباعد عن الدنيا ويقرب إلى الآخرة، يباعد من دار العمل ويقرب من دار الجزاء. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولاتكونوا من أبناء الدنيا. فإن اليوم عمل و لاحساب، وغداً حساب ولا عمل) أخرجه البخاري [1] .

نسير إلى الآجال في كل لحظة وأعمارنا تطوى وهنَّ مراحل

ترحل من الدنيا بزاد من التقى فعمرك أيام وهن قلائل

معاشر المسلمين: أزف إليكم رحيل هذا العام، فها هو يطوي بساطه، ويقوض خيامه، ويشد رحاله (( وكل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها ) ) [2] ، عام كامل، تصرمت أيامه وتفرقت أوصاله، وقد حوى بين جنبيه حِكماً وعبراً، وأحداثاً وعظات، فلا إله إلا الله، كم شقي فيه من أناس، ولا إله إلا الله كم سعد فيه من آخرين؟ لا إله إلا الله كم من طفل قد تيتم، وكم من امرأة قد ترملت، وكم من متأهل قد تأيم؟ لا إله إلا الله كم من مريض قوم قد تعافى، وسليم قوم في التراب قد توارى، لا إله إلا الله كم من أهل بيت يشيعون ميتهم، وآخرون يزفون عروسهم، لا إله إلا الله دار تفرح بمولود، وأخرى تعزى بمفقود، لا إله إلا الله عناق وعبرات من شوق اللقاء، وعبرات تهلّ من لوعة الفراق، لا إله إلا الله آلام تنقلب أفراحاً، وأفراح تنقلب أتراحاً، أيام تمر على أصحابها كالأعوام، وأعوام تمر على أصحابها كالأيام.

أيها المسلمون: لقد انتهى عام 1421هـ، بماذا انتهى؟ حضر فلان وغاب فلان، مرض فلان، ودفن فلان، وهكذا دواليك، تغيَّر أحوال، وتبدل أشخاص، فسبحان الله ما أحكم تدبيره، يعز من يشاء ويذل من يشاء، يعطي من يشاء بفضله، ويمنع من يشاء بعدله، وربك يخلق ما يشاء ويختار، أمور تترى، تزيد العاقل عظة وعبرة، وتنبه الجاهل من سبات الغفلة، ومن لم يعتبر بما يجري حوله، فقد غبن نفسه.

معاشر المسلمين: تختلف رغبات الناس ويتغاير شعورهم عند انسلاخ العام، فمنهم من يفرح، ومنهم من يحزن، ومنهم من يكون بين ذلك سبيلاً. فالسجين يفرح بانسلاخ عامه؛ لأن ذلك مما يقرّب موعد خروجه وفرجه، فهو يعد الليالي والأيام على أحر من الجمر، وقبلها تمر عليه الشهور والأعوام دون أن يشعر بها فكأنه يحاكي قول القائل:

أعد الليالي ليلة بعد ليلة وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا

وآخر يفرح بانقضاء العام، ليقبض أجرة مساكن وممتلكات أجّرها حتى يستثمر ريعها وأرباحها. وآخر يفرح بانقضاء عامه من أجل ترقية وظيفية: إلى غير ذلك من المقاصد التي تفتقر إلى المقصد الأسمى وهو المقصد الأخروي، فالفرح بقطع الأيام والأعوام دون اعتبار وحساب لما كان فيها ويكون بعدها هو من البيع المغبون.

إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل

فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً فإنما الربح والخسران في العمل

فالعاقل من اتعظ بأمسه، واجتهد في يومه، واستعد لغده.

ومن أعظم الحكم في تعاقب السنين وتغيّر الأحوال والأشخاص أن ذلك دليل على كمال عظمة الله تعالى وقيوميته. فهو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء كل من عليها فإن ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت