عباد الله: إن تعاقب الشهور والأعوام على العبد، قد يكون نعمة له أو نقمة عليه، فطول العمر ليس نعمة بحد ذاته، فإذا طال عمر العبد ولم يعمره بالخير فإنما هو يستكثر من حجج الله تعالى عليه، أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله عليه السلام: (( خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله ) ) [3] .
معاشر المسلمين: إن هذا العام الذي ولى مدبراً قد ذهب ظرفه وبقي مظروفه بما أودع فيه العباد من الأعمال، وسيرى كل عامل عمله يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً .
سيرى كل عامل عمله ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة ، وما ربك بظلام للعبيد .
أيها المسلمون: إننا وفي بدايات عام هجري جديد أحد رجلين، متفائل ومشائم، فمنا من يقول: إننا مقبلون على عام فرح وفرج، ومنا يقول: بل هو عام ترح وعوج. قال الله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة فلنتأمل بعض الأحداث الجسام التي مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم، قائد هذه الأمة وبأصحابه، في أقل من أربعة أشهر، كادت تعصف بالدعوة في مهدها، وكانت في نظر المرجفين، ومحدودي الرؤية، أحداثاً مؤذنة بنهاية دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتصار معسكر قريش على معسكر الإيمان، مات أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ماتت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، زوجه، فماذا كان أثر وفاتها.
قال ابن إسحاق: ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلاك خديجة، وكانت له معيناً في دعوته إلى الإسلام. وهلك عمه أبو طالب، الذي كان له عضداً وحرزاً في أمره، وناصراً على قومه. فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر التراب على رأسه [4] . قال ابن كثير رحمه الله: وعندي أن غالب ما روي - من طرحهم سلا الجزور بين كتفيه وهو يصلي، وكذلك ما أخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص من خنقهم له عليه السلام خنقاً شديداً حتى حال دونه أبو بكر الصديق، وكذلك عزم أبي جهل لعنه الله على أن يطأ على عنقه وهو يصلي فحيل بينه وبين ذلك، مما أشبه ذلك، كان بعد وفاة أبي طالب.
نعم لقد فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم عضده وحاميه من قريش فاجترأت عليه، وزادت في إيذائه حتى روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما نالت قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب ) ) [5] . وفقد صلى الله عليه وسلم سلوته وملاذه وأم أولاده خديجة بنت خويلد. قال عليه الصلاة والسلام عنها: (( لقد آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها، وحرمني ولد غيرها ) ) [6] .
قال ابن إسحاق: وكانت أول من آمن بالله وبرسوله وصدق بما جاء به، فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم، لا يسمع شيئاً مما يكرهه من ردٍ عليه، وتكذيبٍ له، فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها، إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه، وتصدقه، وتهون عليه أمر الناس رحمها الله تعالى رحمة واسعة.
فعلاً: إنها أحداث تهز الكيان البشري، وتزلزل الأرض من تحت أقدام الضعفاء. أما من قوي إيمانه بالله، ويقينه بوعده ونصره، فلا تزيده هذه الأحداث إلا تصميماً وعزماً على مواصلة الطريق.
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة بعد أن أحس أنها لم تعد بيئة صالحة للدعوة، خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام. وإلى أن يكونوا أنصاره وحماته، وكان ذلك بعد وفاة خديجة بقليل، فماذا كان جوابهم؟ لقد قابلوا الرسول صلى الله عليه وسلم أسوأ مقابلة، وردوا عليه أقبح رد، وعاملوه بما لم تعامله به قريش، لقد رفضوا الداعي والدعوة، ورجع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه، حتى إنه لم يدخل مكة إلا بجوار المطعم بن عدي. إذاً ما العمل؟
ذهب السند الداخلي الذي كان يمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالراحة والطمأنينة، والمشاركة والمواساة، وهلك المدافع عنه أمام قومه، الذي كان يوفر له مساحة يتحرك فيها لدعوة الناس وإبلاغ رسالة الله، وسُدَّ أقرب منفذ للدعوة يمكن أن تنتقل إليه، وتنطلق منه، فهل تنتهي الدعوة؟ وهل يقف الداعية؟ هل كانت هذه الأحداث إيذاناً بانتصار معسكر الكفر؟
لقد أجاد الشاعر وهو يصف هذه الأحزان وهذه المصائب في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: ... ... ... ... ...
وأنت مرتهن لا زلت في الرحم
ولم تكن حين ولت بالغ الحلم
فكنت من بعدهم في ذروة اليتم
فاختاره الموت والأعداء في الأجم
رُؤيت في ثوب جبار ومنتقم
سلا الجزور بكف المشرك القزم
وألبستك رداء العطف والكرم
فأسلمتك لجرح غير ملتأم
يعود ما بين مقتول ومنهزم
رأيت من لوعة كبرى ومن ألم