#اليهود في رواية منيف"أرض السواد"
على ضوء صورتهم في الأدب العالمي والعربي د. عادل الأسطة / جامعة النجاح / فلسطين
أنجز عبد الرحمن منيف روايته"أرض السواد"ما بين (1997 و 1999) (1) ، وهذا هو الزمن الكتابي ، وتجري أحداث الرواية في الفترة ما بين (1802 و 1821) ، وهذا هو الزمن الروائي ، وهي فترة حكم داود باشا العراق (2) .
ومن القضايا التي تلفت نظر القارئ صورة اليهود في الرواية . وهي قضية لم تظهر ، في حدود علمي ، في روايات منيف السابقة . ما هي صورة اليهود في الرواية ؛ وهل صورهم عبد الرحمن منيف في حدود ما كانوا عليه وما عرف عنهم في الأدبيين العالمي والعربي أم أنه أسقط عليهم آراء عرفت عنهم في فترات لاحقة للزمن الروائي ، وكأن الزمن الكتابي ترك أثره على الزمن الروائي ، وهذا ما يلحظ أحياناً لدى كتاب لا يتمثلون الفترة التاريخية التي يكتبون عنها، إذ تتسلل أحياناً بعض مفردات أو أشياء لم تكن موجودة سابقاً ، وعرفت في فترة لاحقة ، إلى النص بطريقة عفوية . بصيغة أخرى: هل أسقط منيف ، وهو يرسم صورة اليهود في روايته ، تصورات عرفت عنهم بعد عام 1821 ، العام الذي توقفت أمامه أحداث الرواية .
للإجابة عن هذا السؤال لابد ، ابتداء ، من التوقف أمام صورة اليهود في الأدبين العالمي والعربي قبل 1821 .
صور اليهودي في الآداب الغربية على أنه ذلك المرء المنطوي على نفسه ، المعتزل ، وليس هذا التصور راجعاً إلى ما يصدر عن المؤلفين وإشكالاتهم الشخصية المسيحية أو اليهودية، فقد كان يتأثر بالمتغيرات الدينية والاقتصادية والاجتماعية ، وغالباً ما كانت الصورة تتشكل لكي تؤثر على جمهور القرّاء . وعلى أية حال فإن شخصية اليهودي كانت تبدو مثل شخصيات تاريخية لافتة ، مثل شخصية (نابليون) ، ولم تكن هناك ثمة صورة واحدة لهذه الشخصيات ، إذ رسمت لها صور عديدة سببها المتغيرات التي تلم بالتاريخ .
لم تجسد الشخصيات اليهودية ، في الكتابة المسيحية للعصور الوسطى ، موضوعات متفقاً عليها . استلهمت شخصيات العهد القديم لتشكل نموذجاً يعبر عن موقف منشود إزاء الله. وإن بدا بعض اليهود ، خلافاً للشخصيات المؤمنة ، مسؤولين عن معاناة المسيح .
لقد كانت الباروكة الحمراء والقفطان الأسود يشكلان ، في ليالي الصوم وفي أثناء الألعاب الحماسية والغامضة ، عدواً شريراً للمعتقدات المسيحية . والعلامة التي كانت تميز الشخصية اليهودية غالباً ما كانت تتجه نحو يهودا الخائن البائع . ونُعِتَ اليهودي بأنه محب للمال ومحتال وخبيث وداهية . لقد بدت هذه الصور في بعض النصوص التي ظهرت في حدود العام 1386 . وثمة إشاعات انتشرت انتشاراً واسعاً أبرزها قتل اليهود الأطفال وتسميمهم الآبار ، وأضيف إلى هذه تصورات أخرى أظهرها الأدب الإنجليزي ، على الرغم من أنه لم يعش في إنجلترا ، بين 1290 و 1556 ، يهود .
كان إذن لليهود في الآداب الأوروبية حضوران ، سلبي وإيجابي . سلبي يتمثل في الصفات السلبية التي أشير إليها ، وإيجابي يكمن في اتكاء بعض الكتاب على نماذج مؤمنة من العهد القديم غدت مثالاً للطائفة المسيحية ، لمن ينتظر منها الخلاص على الرغم من المعاناة . وظهر هذا التصور الأخير في الدراما الفرنسية ، وفيها بدت الشخصيات اليهودية ذات ملامح بطولية ، ومن الكتاب الذين أبرزوا هذا (جون ملتون ) (1671) و (أرنست بالاخ) (1924) ، وعلى الرغم من أن الشخصيات المستلهمة من العهد القديم كانت تثبت على معتقداتها ، إلا أنه لم يكن ينظر إليها على أنها متطابقة مع الشعب اليهودي . لقد نظر إليها على أنها نماذج إنسانية لها مشاكل إنسانية ، ونادراً ما نظر إليها جمهور القرّاء أو جمهور المسرح على أنه ممثلة للطائفة اليهودية .
وعلى الرغم من خاصية علمنة الأدب وتوجه الأدباء الواعي للأحداث المعاصرة إلا أن ثمة أوصافاً سلبية لليهود تعمقت في هذه النصوص . لقد صدمت صورة اليهود السلبية ، مثل أنه مستغل بلا خجل ومراب كذاب ومنطو على نفسه مكروه ، لقد صدمت كتاباً متنورين ، وعمل هؤلاء على معارضتها ودحضها ، ولكنهم في أثناء هذا كانوا يوردون هذه الصفات لتظل في خلفية الأشكال الأدبية . طبعاً لقد أراد الكتاب من الجمهور أن يُسائِل هذه الصفات ، وطلب الكتاب أيضاً من الجمهور أن يتأمل في اليهودي المقموع الذي يعاني ، وفي النهاية أن يتأمل في اليهودي المثالي .
لقد شنعت بعض الأعمال على اليهودي المرابي الذي يدمر المواطن المسيحي ويتركه يعاني ، ومن هذه"يهودي مالطاً (1588) لـ (كريستوفر مارلو) و"تاجر البندقية" (1595) لـ (شكسبير) ، وغدا (باراباس) و (شيلوك) مضحكين وشريرين ونمطين ، وأصبحا نموذجاً للأدب العالمي ."