فهرس الكتاب

الصفحة 2211 من 9994

#الاصلاح في البناء الاجتماعي

تجديد آفاق الوعي

المجتمعات الواعية هي التي تندفع لتيسير سبل الإصلاح والبحث عن الوسائل والآليات التي تأخذ بيدها لتصحيح مناهجها ومفاهيمها، وتجديد فكرها وثقافتها، لتنهض بها في ركب التقدم والانطلاق، أما المجتمعات الخاملة فإنها تركن إلى الانطواء والخنوع لموروثاتها وتقاليدها التي تكرس فيها ارتفاع نسبة الجمود والكسل، والقبول بالهزيمة والانكسار.

ولن تكون هذه المعايير من خصائص مجتمع دون أخر، فقد تستولد عند كل مجتمع إذا أعتمد فهم وإدراك القوانين والسنن التي تعينه على الانطلاق والتقدم في غمار ميادين الحياة.

وما نشير إليه من تجديد آفاق الوعي لا يعني قصور في المنهج المتبع، أو ما يلحقه من شوائب، لكنه يعني سبر غور الفهم لتجديد الفهم القائم، لتكون المفاهيم القيمية أكثر قدرة استحصال استنزال الحلول الملائمة والمنسجمة مع متطلبات الواقع الراهن.

ومن جانب أخر لكي لا يلحق تلك المناهج العقم والجمود فتصبح عاجزة عن جاهزيتها وفاعليتها في استنبات مناخ أكثر عافية وسلامة، فتعطل مفاهيمها وقيمها الخلاقة عن النمو والانسجام مع معطيات الحاضر، بما يعيش من هموم وقضايا مستحدثة.

ولكي نقوم على صياغة منهجية متجددة في منظومة المعالم الثقافية والفكرية فإننا بحاجة إلى تهيئة مساحات حوارية شاملة لكافة التخصصات والمجالات، لترفد المجتمع بالرؤى والمفاهيم التي يلبي لها احتياجاتها، ولعل ذلك يتمحور حول مجموعة ركائز، ومن أهمها:

1/ إتاحة الفرصة للنقد:

ولا يعني ذلك خرق الضوابط وإشاعة الفوضى من خلال نقد المنهج وتوجيه التهم والإساءة إليه، وإنما إزاء ما نواكب من مجريات مستحدثة، ونواقص متعددة في جنبات واقع الأمة المعاش، نحن أحوج ما نكون لاستحداث وسائل النقد بالبحث والمدارسة للوصول إلى نتائج ترقى بنا إلى مرحلة راقية، تدفعنا إلى التقدم والتطور في كافة الميادين المهنية والعلمية.

ويتجلى لنا في الأسلوب القرآني اتخاذه منهج النقد في معالجة إصلاح أوضاع الرعية، وكان البعد التربوي الإصلاحي يشغل مساحة واسعة في آيات الذكر الحكيم، رغم ما كان يتربى عليه جيل النشء الأول، حيث كان المعلم فيها أعظم شخصية على ظهر الوجود، وكان منهله أرقى صور الحقيقة وبصائرها، غير أن الكتاب العزيز كشف عن ضرورة هذا البعد الإصلاحي النقدي لتقويم مسارات المجتمع وتصحيح مسيرته.

2/ رفد مسيرة الإبداع المعرفي:

لا يخفى بحال من الأحوال أن العالم الغربي في عصرنا الراهن قطع شوطاً كبيراً في نهضة الإبداع والاكتشاف، ولقد بذل جهوداً كبيرة لتتواصل عطاءات المبدعين، ثم إنه لم يقصر الأمر ضمن أطر وأدوات محدودة، وإنما سخر وسائله وإمكانياته لتشمل الجوانب العلمية والمهنية والاجتماعية والسياسية والصحية إلى غيرها من أمور ضرورية تشمل مرافق ميادين الحياة لبناء نهضة مدنية حديثة.

وفي ظل هذه النهضة التي تقدم العالم فيها وطور من وسائله وقدراته لا زال عالمنا العربي والإسلامي بعيداً عن تهيئة السبل والإمكانيات التي تحتضن المبدعين والمفكرين، بل أضحت تلك القدرات غير قادرة على التكيف والانطلاق ضمن المعطيات التي تواكبها، وهو الأمر الذي دفع الكثيرين منهم لأن يرتحل إلى العالم الغربي ليتاح له تفجير طاقاته وقدراته، ومنذ أن أصبح ضعف هذا الاهتمام وعجز دوائره عن استثمار تلك القدرات، تصاعدت نسبة العقول المهاجرة، وهو مما يثير الدهشة والاستغراب إذ أن ثقافتنا ومعارفنا لم تغفل هذا الصعيد بل كان التأكيد عليه ملازماً منذ نشأها الأول، ولقد دفعت في هذا الاتجاه بشكل كبير جداً، وكان للعلماء مكانة راقية جعلت ذلك الواقع مزدهراً بتطور العلم والمعرفة في كافة المجالات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت