فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أَيُّها المُسلِمُونَ: إِنَّ قَلبَ المُؤمِنِ الطَّاهِرَ مِنَ آفَاتِ الهَوَى وَحُبِّ الدُّنيَا، لَيَأكُلُهُ مِن بَعضِ المُسَاهَمَاتِ الحَالِيَّةِ وَكَثِيرٍ مِنَ المُعَامَلاتِ المُعَاصِرَةِ، وَإِنَّ هَذَا وَحدَهُ لَكَافٍ لَهُ لِيَترُكَهَا وَيَجتَنِبَهَا، وَإِنْ أَفتى مُفتُونَ بِحِلِّهَا وَرَأَوا جَوَازَهَا، وَهَذَا أَصلٌ مِن أُصُولِ الوَرَعِ التي جَاءَت بها الأَحَادِيثُ عَن سَيِّدِ المُتَّقِينَ المُتَوَرِّعينَ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ فَتَعَالَوا لِنَقِفَ عَلَى طَرَفٍ مِنهَا، قال ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ: (( البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ، وَالإِثمُ مَا حَاكَ في صَدرِكَ وَكَرِهتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيهِ النَّاسُ ) ).
وَعَن وَابِصَةَ بَنِ مَعبَدٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ وَأَنَا أُرِيدُ أَلاَّ أَدَعَ شَيئًا مِنَ البَرِّ وَالإِثمِ إِلاَّ سَأَلتُ عَنهُ ، فَقَالَ لي: (( اُدنُ يَا وَابِصَةُ"فَدَنَوتُ مِنهُ حتى مَسَّت رُكبتي رُكبَتَهُ، فَقَالَ لي: يَا وَابِصَةُ ، أُخبِرُكَ عَمَّا جِئتَ تَسأَلُ عَنهُ"قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخبِرني، قَال: جِئتَ تَسأَلُ عَنِ البِرِّ وَالإِثمِ"قُلتُ: نَعَمْ، فَجَمَعَ أَصابِعَهُ الثَّلاثَ فَجَعَلَ يَنكُتُ بها في صَدرِي وَيَقُولُ:"يَا وَابِصَةُ، اِستَفتِ قَلبَكَ، وَالبِرُّ مَا اطمَأَنَّتْ إِلَيهِ النَّفسُ وَاطمَأَنَّ إِلَيهِ القَلبُ، وَالإِثمُ مَا حَاكَ في القَلبِ وَتَرَدَّدَ في الصَّدرِ، وَإِنْ أَفتَاكَ النَّاسُ وَأَفتَوكَ ) ).
وَعَن أَبي ثَعلَبَةَ الخُشَنِيِّ ـ رضي اللهُ عنه ـ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَخبِرْني مَا يَحِلُّ لي وَيَحرُمُ عَلَيَّ ؟ قَالَ: (( البِرُّ مَا سَكَنَتْ إِلَيهِ النَّفسُ وَاطمَأَنَّ إِلَيهِ القَلبُ، وَالإِثمُ مَا لم تَسكُنْ إِلَيهِ النَّفسُ وَلم يَطمَئِنَّ إِلَيهِ القَلبُ ، وَإِنْ أَفتَاكَ المُفتُونَ ) ).
وَسَأَلَ رَجُلٌ النبيَّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ: ما الإِثمُ ؟ قال: (( إِذَا حَاكَ في نَفسِكَ شَيءٌ فَدَعْهُ"قال: فَمَا الإِيمانُ ؟ قال:"إِذَا سَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ وَسَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ فَأَنتَ مُؤمِنٌ ) ).
فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّها المُسلِمُونَ ـ وَخُذُوا بِهَذَا الأَصلِ تَسلَمُوا ، وَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنيا وَزَخَارِفُها وَأَموالُها، فَتَخرِمُوا هَذَا الأَصلَ استِجَابَةً لِمُغرِيَاتِهَا، وَنُزُولاً عِندَ أَطمَاعِهَا، فَقَد قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ ـ رحمه اللهُ ـ: لَو أَنَّ رَجُلاً أَبقَى مِئَةَ شَيءٍ وَلم يُبْقِ شَيئًا وَاحِدًا لم يَكُنْ مِنَ المُتَّقِينَ ، وَلَو تَوَرَّعَ عَن مِئَةِ شَيءٍ وَلم يَتَوَرَّعْ عَن شَيءٍ وَاحِدٍ لم يَكُنْ وَرِعًا ، وَمَن كان فِيهِ خَلَّةٌ مِنَ الجَهلِ كَانَ مِنَ الجَاهِلِينَ ، أَمَا سمعتَ اللهَ ـ تعالى ـ قال لِنُوحٍ ـ عليه السَّلامُ ـ لمَّا قال: (( إِنَّ ابني مِن أَهلِي ) ). فَقَال اللهُ ـ تعالىـ: (( إِنَّي أَعِظُكَ أَن تَكونَ مِنَ الجاهِلِينَ ) ) (هود:46) .
اللهُمَّ اجعَلْنا مِن عِبَادِكَ المُتَّقِينَ المُتَوَرِّعِينَ ، وَجَنِّبْنَا مَسَالِكَ الجَاهِلِينَ وَالفَاسِقِينَ، واكفِنا اللهُمَّ بِحَلالِكَ عَن حَرَامِكَ، واغنِنَا بِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاكَ، اللهُمَّ وَهَبْ لَنَا صِحَّةً لا تُنسِينَا، وَغِنًى لا يُطغِينَا ، وَأَغنِنَا بِفَضلِكَ عَمَّن أَغنَيتَهُ عَنَّا .
الخطبة الثانية
أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تَقوَاهُ، وَاستَعِدُّوا بِالأَعمَالِ الصَّالحةِ لِيَومِ لِقَاهُ (( وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) ) (الطلاق:2،3) .
أَيُّها المُسلِمُونَ: لِنَتَأَمَّلْ قَولَهُ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ: (( أَلا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضغَةً إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلا وَهِيَ القَلبُ ) ).
فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً بَلِيغَةً قَوِيَّةً ، إِلى أَنَّ صَلاحَ حَرَكَاتِ العَبدِ وَجَوَارِحِهِ، وَاجتِنَابَهُ المُحَرَّمَاتِ وَاتِّقَاءَهُ لِلشُّبُهَاتِ، كُلُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ صَلاحِ حَرَكَةِ قَلبِهِ، فَإِذَا كَانَ قَلبُهُ سَلِيمًا لَيسَ فِيهِ إِلاَّ مَحَبَّةُ اللهِ وَمَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَخَشيَةُ الوُقُوعِ فِيمَا يَكرَهُهُ ، صَلَحَت حَرَكَاتُ الجَوَارِحِ كُلِّها، وَنَشَأَ عَن ذَلِكَ اجتِنَابُ المُحَرَّمَاتِ كُلِّها، وَتَوَقِّي الشُّبُهاتِ حَذَرًا مِنَ الوُقُوعِ في المُحَرَّمَاتِ، وَإِنْ كَانَ القَلبُ فَاسِدًا قَدِ استَولى عَلَيهِ اتِّبَاعُ الهَوَى وَطَلَبُ ما يُحِبُّهُ ولو كَرِهَهُ اللهُ، فَسَدَت حَرَكَاتُ الجَوَارِحِ كُلِّها، وَانبَعَثَت إِلى كُلِّ المَعَاصِي وَالمُشتَبِهَاتِ، بِحَسَبِ اتِّبَاعِ هَوَى القَلبِ، ولهذا كان ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ يَقُولُ في دُعائِهِ:"اللهُمَّ إِني أَسألُكَ قَلبًا سَلِيمًا"والقَلبُ السَّلِيمُ هو السَّالمُ مِنَ الآفاتِ والمَكرُوهَاتِ كُلِّها ، وَهُوَ القَلبُ الذي لَيسَ فِيهِ سِوَى محبَّةِ اللهِ وخَشيَتِهِ وَخَشيَةِ ما يُبَاعِدُ مِنهُ، أَلا فَاحرِصُوا ـ رحمكم اللهُ ـ على سَلامةِ قُلُوبِكم واستِقَامَتِها يَستَقِمْ إيمانُكُم ، واعلَمُوا أَنَّ أَكلَ الحلالِ وَتَحَرِّيَهُ وَطَلَبَهُ، مِن أَعظَمِ ما يُصلِحُ القُلُوبَ، وَأَنَّ التَّهَاوُنَ بِالشُّبُهَاتِ طَرِيقٌ لِلوُقُوعِ في المُحَرَّمَاتِ، وَمِن ثَمَّ يَكُونُ فَسَادُ القُلُوبِ وَانتِكَاسُها بل وَمَوتُها، فَالحَذرَ الحَذرَ تَسلَمُوا ، فَالسَّلامَةُ لا يَعدِلُها شَيءٌ
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه؛ ونستغفره ونتوب إليه؛ ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له؛ ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين؛ أما بعد..
فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى حق التقوى - عباد الله - يقول الله جل جلاله وهو أصدق القائلين: ( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) [التوبة: 105] .
أخي المسلم: لنتدبر هذه الآية؛ أمرك الله بالعمل؛ فإنا ما خلقنا عبثا؛ خلقنا لنعبد الله؛ خلقنا لننفذ أوامر الله؛ خلقنا لنقوم بما أوجب الله علينا؛ وحببنا لهذه الشريعة؛ لنقوم بعقيدتها علما وعملا؛ ظاهرا وباطنا؛ لنكون مؤمنين حقا: ( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ) والله عالم؛ والعباد عاملون؛ ولكنه تعالى لا يعاقب العبد حتى تظهر مخالفته وعصيانه وتقوم الحجة عليه: ( فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) .