فهرس الكتاب

الصفحة 3215 من 9994

#العاطفة والدعوة

د. علي بن عمر بادحدح

المحتويات:

• أهمية العاطفة .

• الآثار الإيجابية للعواطف .

• علاقة العاطفة بالممارسات الدعوية .

• أسباب التعلق الزائد .

• الأسباب الدافعة للحماسة .

• الأسباب المؤدية إلى جنوح عاطفة الغيرة .

وهذا الموضوع من الموضوعات التي رأيت أن كثيراً من شباب الصحوة ، وأجيال الدعوة يتحدثون عن بعض ظواهره ، ويسألون عن بعض مشكلاته وعوارضه ، فأحببت أن أطرقه طرقاً يحيط بأصوله من الناحية النظرية والفكرية ، ويلمّ كذلك بمشكلاته من الناحية التطبيقية العملية.

أهمية العاطفة:

وهي تتضح من خلال أمرين اثنين ؛

الوجه الأول منهما: أن العاطفة فطرة بشرية ، والله - سبحانه وتعالى - هو الذي خلق الإنسان ، وهو العليم به كما قال - جلا وعلا -: { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } ، وكما قال - سبحانه وتعالى -: { فطرة الله التي فطر الناس عليها } ؛ فإنه - جلا وعلا - قد خلق الإنسان قبضة من طين ، ونفخة من روح ، وجعل له عقلاً يفكر ، وعاطفةً تؤثر ، وبيّن عقله وعاطفته ، أنزل له شرعاً يوجه العقل ، لئلا يشذ ، ويحكم العاطفة لئلا تند ، وبالتالي فإن طبيعة الإنسان وخصيصته البشرية أن العاطفة جزء أساسي فيه ، بل جزء مميز له ؛ فإن الإنسان في حقيقة الأمر مجموعة من العواطف ، وكتلة من المشاعر ، عنده حب متدفق ، وقد يعتريه أحياناً بغض لا حد لمنتهاه في الانتصار للنفس ، أو تدبير الكيد لذلك المبغض ، وكذلك عنده راحة وطمأنينة ، ويعتريه قلق وهم ، وأحياناً يكون في صورة من الأنس والانشراح ، وأحياناً يكون في وقت من التبرم والضيق وكل هذا نوع من صور العاطفة في نفس الإنسان ، والحق أن الإنسان بلا عاطفة ، كجثة هامدة ، لأن العضلات والجوارح والمفاصل - المكونة للجسم البشري - ليست هي التي تعبر عن كنه الإنسان ، بقدر ما يعبر عنه قلبه وعاطفته ، ولذلك نعرف اليوم ما يسمى بالرجل الآلي ، أو قد يطلقون على الكمبيوتر العقل الإلكتروني فهذا إن تجاوزنا على أنه عقل مفكر ، لكننا بهذه التسمية - على إقرارنا لها - لا نصف هذه الأشياء بأن لها عاطفة ! هي عقل صرف إن تجاوزنا عن حقيقة العقل الذي يفكر ويغيّر ، وليس هو مقيداً تقيداً كاملاً ، لكن ليس له عاطفة ، فالإنسان بلا عاطفة كما نسمع في تعبيراتنا كأنه حجر ، أو كأن قلبه من صخر لا يتأثر ، يرى الفواجع فلا يهتز له جفن ، ولا يخفق له قلب ، يرى المباهج والمناظر الجميلة ، فلا تفتّر شفتيه عن الابتسامة ، ولا تجد في عينيه بريق سعادة , إن هذا في حقيقة الأمر كتلة من صخر ، أو أسمنت ليس فيه أية مشاعر ، ولذلك قال بعض الأدباء - مع التجاوز عن بعض ما في هذه الكلمة-:"من لم يطربه خرير المياه في الأنهار ، وتغريد الأطيار ، وحفيف الأشجار ، فليبك على نفسه فإنه حمار - أكرمكم الله - منعدم المشاعر والأحاسيس ."

إذاً العاطفة أصلاً هي جزء رئيسي من تكوين الإنسان ، وفطرة وجبلة مما جبله الله - عز وجل - عليها.

الوجه الثاني:

أن العاطفة فريضة إسلامية ؛ ذلك أن الإيمان مهيمن ، لا يقبل أنصاف الحلول ،لا يقبل منك أن تنطق باللسان ، وليس هذا في حد ذاته كافياً في وصف الإيمان ، قد بين الله - جلا وعلا - في شأن أهل النفاق الذين يقولون آمنا بألسنتهم وأفواههم ، ولم تؤمن قلوبهم ، ولا يكتفي منك أيضاً بمجرد الامتثال بالحركات والأعمال ؛ فإن ذلك قد كان دأب المنافقين أيضاً { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً } ؛ فإن الإيمان شرطه أن يستولي على القلب ، وأن يضرب أوتاده في أعماق النفس ، ولا يرضى إلا أن يكون حاكماً على كل إحساس ، وعلى كل شعور ، وعلى كل خفقة قلب ، وعلى كل خطرة قلب ، وعلى كل خلجة نفس، لابد أن تحكم بهذا الإيمان ؛ لأن الإيمان يغيّر الإنسان من داخله ، فيغيّر مشاعره ، ولذلك قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: ( إن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ) ، فليس لك أن تحب كما شئت ،أو أن تبغض كما شئت ، أو أن توافق هوى نفسك ،أو طبيعة ظرفك أو أسلوب تربيتك ، بل إذا تغلغل الإيمان في قلبك وجّه هذه العواطف ، ولذلك قال - سبحانه وتعالى -: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين أمنوا أشد حبا لله } ، فهذا الحب المرتبط بالله - عز وجل - ، والمحبة المتصلة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومحبة الأخوة الإيمانية بين أهل الإسلام كلها أمور إسلامية إيمانية من أخص خصائص هذا الدين ، ومن أعظم أركان هذا الإيمان ، لا يمكن أن نتصور إيماناً أو إسلاماً بدونها ، أو بدون تحققها الكامل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت