فهرس الكتاب

الصفحة 3216 من 9994

ولذلك يعلم العبد المؤمن أن هذه الحقيقة ينبغي أن لا تغيب عن باله مطلقاً ، ونصوص الكتاب والسنة في أمر المحبة لله - عز وجل - ، والمحبة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - كثيرة في هذا الباب ، ليس هذا مقام الاستطراد في ذكرها وسردها ، وإذا عرفنا أن العاطفة في أصلها فطرة بشرية ، وفريضة إسلامية ، فلنذكر الآثار الإيجابية للعواطف ليس على سبيل التفصيل في واقعات الأعيان وإنما في الجملة .

الآثار الإيجابية للعواطف

1-قوة التأثير:

إن الكلمة وحدها مهما كان لها من شواهد وأدلة ، ومهما كان لها من وصف وتنسيق ، لا تؤدي قوتها ما لم يكن وراءها قلب متحرق ، ونفس متحمسة ، تشعر الإنسان بنبض هذه المشاعر في كل حرف من هذه الحروف ؛ فإذا كانت الكلمة حماسية ؛ فإذا بها كأنها لهب يتفجر ، وإذا كانت الكلمة وعظية كأنها غيث يصيب أرض جدباء فيحيها من جديد ، ويورق منها ما اضمحل ، أو ما كان قد غابت عنه مياه الحياة وصورها ؛ فإذا تأملت من بعض المواقف والعبر من سيرة محمد - صلى الله عليه وسلم - تجد هذه الصورة بيّنة واضحة ، قد وصف - عليه الصلاة والسلام - أنه إذا خطب كأنه منذر جيش . يحمّر وجهه - عليه الصلاة والسلام - ويظهر أثر انفعاله بهذه الكلمات ، وكما في حديث العرباض ابن سارية - رضي الله عنه - قال: ( وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا... )

إذاً لم يكن تأثير تلك الكلمات بمجرد العلم ؛ فإن كثيراً من العلم إذا فقد العاطفة ، لا يؤدي أي تأثير ، وإلا لكان اتصال الإنسان بالكتب كافياً في أن يقوّم سلوكه، وفي أن يوقظ حماسه وهمته نحو الخير والصلاح ، وكذلك انظر إلى الموقف الذي كان في يوم حنين لما قسّم النبي - صلى الله عليه وسلم - الغنائم بين مسلمة الفتح والمؤلفة قلوبهم ، ولم يقسم للأنصار - رضوان الله عليهم - فوجدوا في نفوسهم موجدة ؛ لذلك جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم، وقال: يا معشر الأنصار: ما مقالة بلغتني عنكم ، وموجدة وجدتموها في أنفسكم ، ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله ؟ ...) و في آخر الحديث قال الراوي: ( حتى اخضلت لحاهم بالدموع ) ، إذاً للكلمة سر،ينبثق من العاطفة التي وراءها في القلب الذي يخفق بمعانيها قبل أن ينطق اللسان بكلماتها وحروفها.

2-البذل والتضحية:

إن من أعظم آثار العاطفة البذل والتضحية لمن خفق لك قلبه بالحب ؛ فإن أحببت الله - عز وجل - وأحببت رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأحببت هذا الدين ؛ فإنك تبذل وتضحي في سبيل هذا الذي أحببته ؛ ونحن نعلم أن العاطفة مشتركة ، فإذا وجهتها وجهة صحيحة ، نلت الأجر والخير ، وتدفقت عاطفتك في مجالها الصحيح ، وإلا فإن هذه العواطف أيضاً لها مسارب شيطانية ، أو شهوانية ، تسلك بها في غير ما أراد الله - عز وجل - لها ، فاستمع على سبيل المثال إلى خالد بن الوليد - رضي الله عنه - وهو يقول:"ما ليلة تهدى إليّ فيها عروس أحب إلي من ليلة شديد بردها ، أصبّح فيها العدو فأقاتلهم في سبيل الله - عز وجل -". إذاً هذه المحبة دفعته إلى أن يجد لذته في ذلك البذل ، وتلك التضحية ، وتحقيق قول الله - عز وجل - { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } ، إذاً هذا البذل هو الذي ظهر في حياة أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وذاك أنس بن النضر - رضي الله عنه - يقول:"واهاً لريح الجنة إني لأجد ريحها دون أحد". والصور في ذلك كثيرة ، والصور غير الإيمانية أيضاً كثيرة ، نقرأها في حياتنا وفي حياة البشرية عموماً ، ألم نسمع عن المحبين الذين بدلوا إيمانهم ، وتركوا وظائفهم ، واستهانوا بجاههم كله من أجل من يحبون .

3-الرضا والقبول:

من كل ما يأتي من المحبوب ؛ فإنك إن أحببت الله - سبحانه وتعالى - رضيت بقضائه وقدره ، وإن أحببت الله - عز وجل -رضيت بأن تطيع أمره ، وتجتنب نهيه ، وإن أحببت النبي - صلى الله عليه وسلم - قبلت منه كل هدي وإرشاد ، وإن أحببت إخوانك المسلمين أفسحت لهم في قلبك ، وأعطيتهم من خلاصة مهجتك ومشاعرك ولطفك ولينك وسماحتك ورفقك ، إذا تحقق ذلك قبلت منهم ، ورضيت منهم ما قد يقع من تقصير ، وأغضيت الطرف عن بعض هفواتهم ، وتجاوزت عن بعض ماصدر من كلماتهم وغير ذلك من الأمور . واستمع إلى قصة يوسف - عليه السلام -عندما قال: { رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } ، لِما كان السجن محبوباً .. وهو الذي يقيد الحرية ، ولا تقبل به النفس البشرية ؟ لأن فيه العصمة عن ما حرم الله - عز وجل - ، ولأن فيه المهرب من المعاصي إلى الطاعات ، ومن الخلطة الفاسدة إلى الخلوة الصالحة مع الله - سبحانه وتعالى - ، لمّا كان الأمر كذلك قال: { رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } .

4-الصبر والثبات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت