فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
رابعاً: أن الإنسان جسم وروح ، وهو قلب وعقل وعواطف وجوارح ، لا يسعد ولا يفلح ولا يرقى رُقياً متزناً عادلاً حتى تنمو فيه هذه القوى كلها نمواً متناسباً لائقاً بها ، ويتغذى غذاء صالحاً ، ولا يمكن أن توجد المدنية الصالحة البتة إلا إذا ساد وسط ديني خلقي عقلي جسدي يمكن فيه للإنسان بسهولة أن يبلغ كماله الإنساني ، وقد أثبتت التجربة أنه لا يكون ذلك إلا إذا كانت قيادة الحياة وإدارة دفة المدنية بيد الذين يؤمنون بالروح والمادة ، ويكونون أمثلة كاملة في الحياة الدينية والخلقية ، وأصحاب عقول سليمة راجحة ، وعلوم صحيحة نافعة ، فإذا كان فيهم نقص في عقيدتهم أو في تربيتهم عاد ذلك النقص في مدنيتهم ، وتضخم وظهر في مظاهر كثيرة ، وفي أشكال متنوعة ، فإذا تغلبت جماعة لا تعبد إلا المادة وما إليها من لذة ومنفعة محسوسة ، ولا تؤمن إلا بهذه الحياة ، ولا تؤمن بما وراء الحس أثرت طبيعتها ومبادئها وميولها في وضع المدنية وشكلها ، وطبعتها بطابعها ، وصاغتها في قالبها ، فكملت نواح للإنسانية واختلت نواح أُخرى أهم منها . عاشت هذه المدنية وازدهرت في الجصِّ والآجر ، وفي الورق والقماش ، وفي الحديد والرصاص ، وأخصبت في ميادين الحروب وساحات القتال ، وأوساط المحاكم ومجالس اللهو ومجامع الفجور ، وماتت وأجدبت في القلوب والأرواح وفي علاقة المرأة بزوجها ، والولد بوالده والوالد بولده ، والأخ بأخيه والرجل بصديقه ، وأصبحت المدنية كجسم ضخم متورم يملأ العين مهابة ورواء ، ويشكو في قلبه آلاماً وأوجاعاً ، وفي صحته انحرافاً واضطراباً .
وإذا تغلبت جماعة تجحد المادة أو تهمل ناحيتها ولا تهتم إلا بالروح وما وراء الحس والطبيعة ، وتعادي هذه الحياة وتعاندها ، ذبلت زهرة المدنية وهزلت القوى الإنسانية وبدأ الناس- بتأثير هذه القيادة - يؤثرون الفرار إلى الصحارى والخلوات على المدن ، والعزوبة على الحياة الزوجية ، ويعذبون الأجسام حتى يضعف سلطانها فتتطهر الروح ويؤثرون الموت على الحياة ، لينتقلوا من مملكة المادة إلى إقليم الروح ويستوفوا كمالهم هنالك ، لأن الكمال في عقيدتهم لا يحصل في العالم المادي ، ونتيجة ذلك أن تحتضر الحضارة وتخرب المدن ويختل نظام الحياة ولما كان هذا مضاداً للفطرة لا تلبث أن تثور عليه ، وتنتقم منه بمادية حيوانية ليس فيها تسامح لروحانية وأخلاق ، وهكذا تنتكس الإنسانية وتخلفها البهيمية والسبعية الإنسانية الممسوخة ، أو تهجم على هذه الجماعة الراهبة جماعة مادية قوية فتعجز عن المقاومة لضعفها الطبعي ، وتستسلم وتخضع لها ، أو تسبق هي- بما يعتريها من الصعوبات في معالجة أمور الدنيا- فتمد يد الاستعانة إلى المادية ورجالها وتسند إليهم أمور السياسة وتكتفي هي بالعبادات والتقاليد الدينية ، ويحدث فصل بين الدين والسياسة فتضمحل الروحانية والأخلاق ويتقلص ظلها وتفقد سلطانها على المجتمع البشري والحياة العملية حتى تصير شبحاً وخيالاً أو نظرية علمية لا تأثير لها في الحياة وتؤول الحياة مادية محضة وقلما خلت جماعة من الجماعات التي تولت قيادة بني جنسها من هذا النقص ، لذلك لم تزل المدنية متأرجحة بين مادية بهيمية وروحانية ورهبانية ولم تزل في اضطراب .
يمتاز أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم كانوا جامعين بين الديانة والأخلاق والقوة والسياسة ، وكانت تتمثل فيهم الإنسانية بجميع نواحيها وشعبها ومحاسنها المتفرقة في قادة العالم ، وكان يمكن لهم - بفضل تربيتهم الخلقية والروحية السامية واعتدالهم الغريب الذي قلما اتفق للإنسان ، وجمعهم بين مصالح الروح والبدن واستعدادهم المادي الكامل وعقلهم الواسع - أن يسيروا بالأمم الإنسانية إلى غايتها المثلى الروحية والخلقية والمادية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(171) حديث متفق عليه .
(172) البداية والنهاية لابن كثير .
(173) من خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع .
(174) القصة بتمامها في تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي .
(175) عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث أصاب أرضاً فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) . رواه البخاري في الجامع الصحيح ، كتاب العلم .
(176) يعني سواء في ذلك العلوم الشرعية والعلوم العقلية .
(177) المقدمة ص 499 .
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الإخوة القائمين على جريدة عكاظ ... هدانا الله وإياهم لما فيه خير!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . أما بعد:
فقد وقفتُ على مقالكم برقم ( 12307) ، وتاريخ ( 3/2/1421) تحت عنوان"تصويت: نوادٍ رياضية للسيدات"، وهو عبارة عن استبيان واستطلاع عن الآراء والاقتراحات حول القضية التي طرحتموها للتصويت وهي:"إنشاء نوادٍ للسيدات بإشراف الأندية الرياضية".
قلتُ: لاشك أنَّ الجميع على يقينٍ بأنكم تريدون بهذا التصويت طرح الآراء والاقتراحات ومطارحتها للمناقشة؛ ومن ثمَّ أخذُ ما كان منها حقًّا وطرح ما سواه.
وهذا هو حسن ظننا بكم ـ إن شاء الله ـ لا مجرد مداعبة المشاعر، أو العبث بعقول القراء، أو تهميش آراء المشاركين .
لذا كان من حقنا أن نشارك ببعض ما نراه مناسبًا حول القضية المطروحة من خلال أمور مختصرة:
أولا: لا ننسَ بأن النوادي الرياضية التي أُنشئت من زمنٍ بعيدٍ للشباب؛ لهي جديرةٌ بأن تكون مثالاً واقعياً حياً نستطيع من خلاله أن نأخذَ العبرةَ والأحكامَ منها؛ والحالة هذه نستطيع حينئذٍ أن نحكمَ على النوادي النسائية وهذا ما يسمى بالقياس الأصولي .
فإذا كان الأمر كذلك؛ فلنا الحق أن نُفصح بشئٍ ممَّا سمعناه أو رأيناه في هذه النوادي الرياضية - للأسف - فنقول: إنّنا لم نجنِ منها منذُ عرفناها إلاَّ الثِّمار الرَّدية، والأشواك الوخيمة: كقتل الأوقات، وهدر الطاقات، وضياع الأموال ... كما أنها حملت الناشئة من شباب الأمة على سفاسف الأمور، وسيء الأخلاق، في حين أنها أبعدتُهم عن معالي الأمور، وجميل الأخلاق؛ حتى وصل الحال عند أكثر الناشئة أنَّ غاية علمهم ما كان من الأخبار الرياضية، وحياة الرياضيين: كيف يلعبون ومتي ينامون، وماذا يأكلون، وما يشتهون وما يألفون ...؟ وهكذا غاية ثقافتهم !، فأوقاتهم فارغة، وطاقاتهم مهدرة، وأهدافهم صبيانية، وحياتهم عشوائية ... وهذا الغالب والحكم للأعمِّ .
فليت شعري لو أن أحدًا من العقلاء أراد أن يجلس ساعةً بين صفوف الجماهير الرياضية ليسمعَ ويرَى ما تلفظه ألسنتهم، وتُكِنُّه قلوبهم ... لعلمَ أنَّ الأمرَ جدُّ خطير، والشرَّ مستطير، وهذا كلَّه لا يحتاج إلى كبيرِ مخافتةٍ أو مجاملةٍ؛ فالواقع أكبر شاهد على ما أقول .
ـ أمَّا إذا سألت عمَّا تلفظه أفواههم: فالسباب، والكلمات النابية، والعبارات السوقية، والصيحات الجماعية، والصرخات الأجنبية ...!
ـ أمَّا ما تُكنُّه قلوبهم: فالحقد، والحسد، والبغض، والحنق تُجاه بعضهم بعضَا!