د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
تكاثرت ـ هذه الأيام ـ أصوات المطالبين بتعظيم ما يسمّى «الآثار الإسلامية» ، والمنادين بالعناية والاحتفاء بها وتشييدها، وأن تكون معالم سياحية يؤمّها القاصي والداني مع أن الكثير منها لم يصح تاريخياً.
تباكى أولئك على «الآثار النبوية» ، وأظهروا العويل والنحيب على اندراس هذه المقدسات والآثار، بل إن صحفاً أجنبية شاركت القوم في هذا «التأبين» فوصفتْ إزالة هذه الآثار والمشاهد بأنها مأساة تاريخية إنسانية لا مثيل لها (1) !
بل أفضى الأمر بهؤلاء المولعين بالآثار إلى تأليب الحكومات على من خالفهم، واتّهموهم بأنهم «وهابية جفاة» ! أو «طالبان» والذين هدموا الأوثان في بلاد الأفغان (2) !
ولنا مع هذه الظاهرة المتزايدة التعليقات الآتية:
ـ إن هذا النشاط المحموم في سبيل إحياء ونبش الآثار الإسلامية ربما كان سبيلاً إلى إحياء الوثنية الجاهلية من جديد؛ فشياطين الإنس والجن يزيّنون الشرك، ويخرجونه في قوالب برّاقة، فأول شرك وقع في الأرض كان باعثه الغلو في الصالحين والإفراط في محبتهم، فإنّ وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً رجال صالحون من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً (3) ، وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبِدت (4) .
وفي بعض الروايات أن التشوق إلى عبادة الله هو الباعثُ على اتخاذ هذه الأوثان (5) .
وتعظيم الآثار وتقديسها في هذه الأيام يحاكي تعظيم الصالحين والغلو فيهم عند قوم نوح ـ عليه السلام ـ، فالانحراف والضلال قد يُسمّى بغير اسمه، كما أنه يأتي متدرجاً خطوة تلو خطوة كما حصل في قوم نوح وأشباههم.
ـ يدعو بعضهم إلى المحافظة على الآثار وحمايتها عن جهل بالموقف الشرعي من تلك الآثار، فلا يعلم هؤلاء أن للشرع نصوصاً وأحكاماً تجاه هذه الآثار، ولسان حالهم: أن الأمم الأخرى تحافظ على آثارها؛ كالحمامات الرومانية، والملاعب الإغريقية، والتماثيل الأثرية، والأصنام المنحوتة... فعلينا أن نحافظ على آثارنا كشأن الأمم المجاورة.
فالكثير من المهتمين بسياحة الآثار، ومن أساتذة أقسام الآثار في الجامعات يجهلون الأحكام العقدية والفقهية المتعلقة بتلك الآثار، بل إن بعضهم لا يظن أن للدين موقفاً أو صلة بتلك الآثار.
ـ أن الآثار الإسلامية منها ما اعتبره الشارع وبيّن فضله ورفع قدره؛ كالمساجد الثلاثة (المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى) ، وكذا الأعياد المكانية المشروعة؛ كمنى، وعرفة، ومزدلفة. وأما سائر الآثار الأخرى فلم يكن السلف الصالح يحتفون بها، ولم يشتغلوا بتجديدها فضلاً عن تشييدها أو صيانتها، فلم يُنقل عنهم مع توفر دواعي النقل شيئاً من الاحتفاء أو الإكرام.
ولما رأى عمر الفاروق ـ رضي الله عنه ـ أقواماً يبتدرون مسجداً، فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له الصلاة فليمضِ (1) .
وكان إمام دار الهجرة (مالك بن أنس) وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة ما عدا قباء وأحد، كما أخرجه (ابن وضاح) .
يقول (ابن تيميّة) : «إن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يبنوا قط على قبر نبي ولا رجل صالح، ولا جعلوه مشهداً أو مزاراً، ولا على شيء من آثار الأنبياء مثل؛ مكان نزل فيه أو صلَّى فيه، أو فعل شيئاً من ذلك» (2) .
ويقول ـ أيضاً ـ: «كل ما عظم بالباطل من مكان أو زمان أو حجر أو شجر أو بُنية، يجب قصد إهانته كما تهان الأوثان المعبودة» (3) .
ـ لا يزال تجديد هذه الآثار «المفتعلة» والمشاهد المحدثة محلّ شك كبير ونزاع كثير بين المؤرخين، مما يؤكد أن ليس من دين الإسلام التعرّفُ على تلك المواطن، وإذا كانت آثار النبي -صلى الله عليه وسلم- كالشَّعَرَات ونحوها؛ والتي يُشرع التبرك فيها تحتاج إلى برهان واضح في إثبات بقائها، لا سيما مع مرور مئات السنين على تلك الآثار، وكثرة الدعاوى في شأنها، فكيف الشأن بتحديد أماكن محدثة أعرض السلف الصالح عن الاحتفاء أو الاشتغال بها؟!
يقول العلامة (أحمد تيمور) ـ عن الآثار النبوية ـ: «لا يخفى أن بعض هذه الآثار محتمل الصحة؛ غير أنّا لم نرَ أحداً من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله أعلم بها. وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب ويتنازعها في الشكوك» (4) .