عبد العظيم بدوي الخلفي
ملخص المادة العلمية
1-أن الميزان الذي يزن الله به الناس هو ميزان التقوى. 2- فضل الصدق وذم الكذب. 3- فضل القلب على سائر الأعضاء وفضيلة الاعتناء به والحذر من إصابته بالأدواء الخبيثة كالحسد والبغي ونحو ذلك. 4- فضل الزهد في الدنيا وحب الآخرة. 5- فضل حسن الخلق.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (( خير الناس ذو القلب المخموم واللسان الصادق ) )، قيل: ما القلب المخموم؟ قال: (( هو التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد ) )، قيل: فمن على أثره؟ قال: (( الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة ) )، قيل: فمن على أثره؟ قال: (( مؤمن في خلق حسن ) ).
قال الله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات:13] .
فقد أشار الله سبحانه في هذه الآية إلى أن الشعوب والقبائل والأحساب والأنساب والأموال ونحوها من قيم الناس لا تزن عند الله جناح بعوضة، وإنما الميزان الذي يزن الله به الناس ويرفعهم به في الدنيا والآخرة هو ميزان التقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم .
وهذا الحديث يؤكد هذا المعنى، ويبين باختصار شديد أن الخيرية مردّها إلى تقوى الله وحسن الخلق، وأنه على قدر حظ العبد منهما يكون حظه من الخيرية، فكلما زاد حظه من التقوى وحسن الخلق زاد حظه من الخيرية، وكلما نقص حظه منهما نقص حظه منها.
فالرسول يقول: (( خير الناس ذو القلب المخموم واللسان الصادق ) ).
واللسان والصادق معروف ولذا لم يسألوا عنه. والصدق فضيلة عظيمة، ومنقبة جليلة، جعله الله من صفات المتقين فقال في حقهم: الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار [آل عمران:17] .
وأمرنا أن نكون مع أهله فقال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين [التوبة:119] .
وقال النبي: (( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ) ). والصديقية درجة فوق درجة الشهادة ودون درجة النبوة، قال تعالى: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [النساء:69] .
وكما مدح الله الصدق وأهله ذم الكذب وأهله، وجعل الكذب من صفات المنافقين والكافرين، فقال تعالى: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون [البقرة:10] .
وقال تعالى: إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون [النحل:105] .
وقد نعى الله تعالى على أقوام جريهم وراء الظنون التي ملأت عقولهم بالخرافات وأفسدت عليهم حاضرهم ومستقبلهم، فقال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى [النجم:23] .
أي: فأعرضوا عنه. وقال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا [النجم:28] .
وقال النبي: (( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ) ).
وقال: (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة ) ). وقال: (( وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابا ) ).
فعلى المسلمين أن يعظموا الصدق ويتحرّوه في كل أقوالهم، وأن يحذروا الكذب ويجتنبوه على كل حال، فإن الله وعد الصادقين بالجنة، وتوعد الكاذبين بالنار، قال تعالى: فمن أظلم ممن كذب على الله وكذّب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون [الزمر:32-35] .
وأما القلب المخموم فقد سأل عنه الصحابة رسول الله فقال: (( هو التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد ) ). وإنما وصف القلب بالتقوى لأنه محلها، كما قال تعالى: ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب [الحج:32] .
كما قال النبي: (( التقوى هاهنا ) )وأشار إلى صدره.
ولذا كان القلب محل نظر الله تعالى، كما قال النبي: (( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) ). وكان صلاح الجسد متوقفا على صلاح القلب، كما قال النبي: (( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ) ).
فإذا امتلأ القلب بالتقوى فقد صلح وصلح بصلاحه الجسد كله، وإذا خلا القلب من التقوى فقد فسد وفسد بفساده الجسد كله.
فاتقوا الله عباد الله، وجمِّلوا قلوبكم بتقوى الله، فإنها لباسها، كما أن الثياب لباس البدن قال الله تعالى: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير [الأعراف:26] .