ومما يفسد القلب دنايا الأخلاق وقبيح الصفات، وأعظمها: الإثم، والبغي، والحسد، ولذا حرّم الإسلام هذه الأخلاق، قال الله تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف:33] .
وقال النبي: (( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً ) ).
وقد أخبر النبي أن هذه الأخلاق الدنيئة ستصيب الأمة، وتحدث فيها البغي العدوان، فقال: (( سيصيب أمتي داء الأمم ) ). قالوا: وما داء الأمم؟ قال: (( الأشر والبطر والتكاثر والتشاحن في الدنيا، والتباغض والتحاسد، حتى يكون البغي ) ).
فالله الله عباد الله، إياكم وهذه الأخلاق الدنيئة، والصفات القبيحة، فإنها تنافي الإيمان، لأن الحسد من صفات الكفرة الفجرة، قال تعالى عنهم: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله [النساء:54] .
واعلموا - عباد الله - أن سلامة الصدر من هذه الأخلاق الدنيئة هي سبب دخول الجنة.
عن أنس بن مالك قال: كنا جلوسا مع رسول الله فقال: (( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ) )، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه، قد تعلّق نعليه في يده الشمال. فلما كان الغد قال النبي مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى. فلما كان اليوم الثالث قال النبي مثل مقالته أيضا، فطلع ذلك الرجل على مثال حاله الأولى. فلما قام النبي تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني لا حيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت. قال: نعم، قال أنس: فكان عبد الله يحدّث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا، غير أنه إذا تعارّ (أي استيقظ) وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبّر حتى يقوم لصلاة الفجر. قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا. فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثم، ولكن سمعت رسول الله يقول لك ثلاث مرار: (( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ) )فطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت. قال: فلما ولّيت ناداني فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق.
هذا هو (( خير الناس، ذو القلب المخموم واللسان الصادق ) ). قيل: فمن على أثره؟ قال: (( الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة ) )ومعناه الذي يكره الدنيا ويحب الآخرة.
وقد ذمّ الله تعالى من يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة، فقال تعالى: بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى [الأعلى:16-17] .
وقال تعالى: كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة [القيامة:20-21] .
وقال تعالى: إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا [الإنسان:27] .
فإذا ذم الله تعالى من أحب الدنيا فقد دل ذلك على مدح من لا يحبها.
وقال بعضهم: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لآثرت العقول ما يبقى على ما يفنى، فكيف والدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة.
وقال النبي: (( من كانت الدنيا همّه فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيّته جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ) ).
وقال بعضهم: الدنيا والآخرة في القلب ككفتي الميزان، ما ترجح إحداهما حتى تخفّ الأخرى.
وقال آخر: إنما الدنيا والآخرة كرجل له امرأتان إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى.
والأحاديث في ذم الدنيا وتحقيرها كثيرة جدا، ومنها:
عن جابر عن النبي: أنه مر بالسوق والناس كنفيه فمر بجدى أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه فقال: (( أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ ) )فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: (( أتحبون أنه لكم؟ ) )قالوا: والله لو كان حيا لما رغبنا فيه لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: (( والله! للدنيا أهون على الله من هذا عليكم ) ).
وعنه أنه قال: (( ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليمّ، فلينظر بماذا يرجع؟ ) ).
وقال: (( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ) ).
ثم (( قيل: فمن على أثره؟ قال: مؤمن في خلق حسن ) ).
إن حسن الخلق عنوان كمال الإيمان، وسوء الخلق دليل النقصان، ولذا قال النبي: (( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ) ).
ولقد كانت تزكية النفس من دنيا الأخلاق وقبيح الصفات غاية من غايات بعثته . قال الله تعالى: لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [آل عمران:164] .