فهرس الكتاب

الصفحة 7825 من 9994

ولو أنهم فقهوا المصالح والمفاسد، وعرفوا ترتيب الأولويّات، لأدركوا أن الإفساد لا يكون إصلاحاً، وأن قصد الآمنين، والإفساد في بلاد المسلمين، لن تكون عاقبته إلا خراب الدين والدنيا.

والمسئول عن ذلك كله: الشبهات التي ترد على القلوب فتفسدها، فيظن أصحابها أنهم يصلحون وهم يفسدون.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أنّ المتشرّبين بالشبهات معهم منقولات ظنوها صدقاً، ولم يكن لهم خبرة بأنها كذب، ومعهم من الآيات والأحاديث الصحيحة تأويلات ظنوها مرادة من النص ولم تكن كذلك، ومعهم نوع من القياس والرأي ظنوه حقاً وهو باطل، ثم قال رحمه الله تعالى:"فهذا مجموع ما يورث الشبه في ذلك إذا خلت النفوس عن الهوى، وقل أن يخلو أكثر الناس عن الهوى: (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى) . [سورة النجم: 23] ".

وقال تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى:"الشبهة وارد يرد على القلب يحول بينه وبين انكشاف الحق له، فمتى باشر القلب حقيقة العلم لم تؤثر تلك الشبهة فيه، بل يقوى علمه ويقينه بردها، ومعرفة بطلانها، ومتى لم يباشر حقيقة العلم بالحق قلبه قدحت فيه الشك بأول وهلة، فإن تداركها وإلا تتابعت على قلبه أمثالها حتى يصير شاكّاً مرتاباً، والقلب يتوارده جيشان من الباطل: جيش شهوات الغي، وجيش شبهات الباطل، فأيما قلب صغا إليها، وركن إليها تشرّبها، وامتلأ بها، فينضح لسانه وجوارحه بموجبها، فإن أشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والإيرادات، فيظن الجاهل أن ذلك لسعة علمه، وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه. وقال لي شيخ الإسلام رضي الله عنه، وقد جعلت أورد عليه إيراداً بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمرّ عليها صار مقرّاً للشبهات". أو كما قال.

قال ابن القيم:"فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك، وإنما سُمّيت الشبهةُ شبهةً لاشتباه الحقّ بالباطل فيها؛ فإنّها تلبس ثوب الحق على جسم الباطل، وأكثر الناس أصحاب حسن ظاهر، فينظر الناظر فيما ألبسته من اللباس فيعتقد صحتها، وأما صاحب العلم واليقين فإنّه لا يغتر بذلك، بل يجاوز نظره إلى باطنها، وما تحت لباسها، فينكشف له حقيقتها". اهـ كلامه.

أسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يحفظ بلادهم من الفساد والمفسدين، وأن يعصم شبابهم من الشهوات والشبهات، وأن يمنَّ عليهم بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، إنه سميع مجيب.

والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.

الخطبة الأولى

أيها الأخوة في الله:

سأحلق بكم في هذه اللحظات ..خارج هذه البلاد ..في رحلة سياحية حول العالم ..لنرى من آيات الله تعالى ..ما يكون لنا عبرة ومدكرا..وآية ومعتبرا .. يقول الله تعالى {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ } دولاً غربية ..وأخرى إسلامية ..زرناها ..حتى يكون الحكم في قضيتنا واضحا ..كوضوح الشمس في رابعة النهار ..إنها قضية يستميت دعاة التغريب في بلادنا للمطالبة بها ، وفرضها علينا ..بكل الأساليب ، ومختلف الوسائل ، إنها قضية خطيرة بدأت تنتشر في المجتمع ..كانتشار النار في الهشيم ، إنها قضية الاختلاط بين الرجال والنساء .. وحتى لا يحصل اللباس في الموضوع لابد ندرك جميعاً أن اللقاء الذي يحصل بين الجنسين لقضاء حاجة سريعة كسؤال عابر عن متاع أو استفتاء أو بيع و شراء ، فهذا غير داخل في حديثنا اليوم ..إذا توفرت الشروط الشرعية في لقاء المرأة مع الرجل الأجنبي عنها . إذن سيكون الحديث عن الاختلاط المباشر بين الرجال والنساء غير المحارم مع إمكان التحرز منه وعدم الوقوع فيه ،كالذي يحصل في قاعات الدراسة والعمل في الشركات والمؤسسات والمؤتمرات والندوات .

أيها الأخوة في الله:

قد كنا نتساءل ..هل يمكن أن يكون هناك اختلاط برئ ؟ وهل التجربة التي مرت بها تلك الدول الغربية والإسلامية كانت ناجحة ؟ تقول الصحفية الأمريكية"هِيليان ستانبري"في كشف تجربة المجتمع الغربي للاختلاط بين الرجال والنساء ( .. امنعوا الاختلاط ، فقد عانينا منه في أمريكا الكثير ، لقد أصبح المجتمع الأمريكي مجتمعًا مليئًا بكل صور الإباحية والخلاعة ، إن ضحايا الاختلاط يملئون السجون ، إن الاختلاط في المجتمع الأمريكي والأوروبي ، قد هدد الأسرة وزلزل القيم والأخلاق".. نعم أيها المسلمون إن للاختلاط آثاره المدمرة ..وأخطاره الموجعة ..ولعلي أعرض لكم نماذج يسيرة من آثاره .. واترك المجال للحقائق و الأرقام هي التي تتكلم ..وتُدلي بدلوها ..وأنت الذي تحكم.."

أولاً: للاختلاط آثاره الخطيرة على التعليم ..فقد نشرت مجلة ( المصور) بتاريخ 30مارس 1956 استفتاء أجرته بين طلبة الجامعات المصرية وطالباتها ..جاءت نتيجته أن خمسة وستين % منهم قرروا أن تفكيرهم في الجنس الآخر أثناء الاختلاط يؤثر على دراستهم ، إذ أن ثلاثة أرباع وقت فراغهم يضيع بحثاً عن الحب واللهو ، لذلك يرون إنشاء جامعات خاصة بالبنات ) وتقول ( أسماء فهمي ) من مصر على إثر رجوعها من أمريكا ..: ( إن الأمريكيين يرون الآن أن الاختلاط يشغل الفتيات عن الجد والنشاط العلمي بالملابس والزينة وما إلى ذلك ، مما لا يفكرون فيه عندما يفتقدون الفتيان) وهذا رد منطقي لأولئك الأقوام الذين يطالبون أن نسير مع الغرب حذو القذة بالقذة ، فها هو الشعب الأمريكي المتقدم في نظرهم يبدي رأيه في الاختلاط ..فهل يا ترى يقبلونه أم أنه الهوى يعمي ويُصم ؟!!

أيها المسلمون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت