أَي عَملٍ لا يُرادُ بِه وجْهُ اللهِ فهُو رِياءْ, وعَلينَا أَنْ نَّعلمَ أَنَّ للرِّياءِ أَقسَاماً مُختلفةْ، فَتارةً يَكونُ رِياءً مَحضاً لا يُرادُ بِهِ سِوى مُراءَاةِ المَخلوقينَ لغرضٍ دُنيويٍّ كَحالِ الذِي يُصليْ بَين النَّاسْ، ولَو انْفردَ لَم يُصل, وهُمُ المُنَافقون الذِينَ قَالَ اللهُ فِيهم: { وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } ، ولقد وصَفَ اللهُ الكُفارَ بِالرياءِ فِي قَولهِ تَعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } ، وهَذا الرِّياءُ المَحضُ لا يَكادُ يَصدرُ عَن مُوافَقةٍ في غَرضِ الصَّلاة والصِّيام خاصةْ، ويصْدُر فِي الصَّدقةِ والحَجِّ أو غَيرِهما من الأَعمالِ الظَّاهرةِ، أو التِي يَتَعدى نَفعها بِأنَّ الإِخلاصَ فيها عَزيزْ، وهَذَا العَملُ لا يَشكُّ مُسلمٌ أَنَّهُ حَابطْ، وأَنَّ صَاحبهُ يَستحقُّ المَقتَ مِن اللهِ والعُقوبةَ على فِعلِهْ. وتَارةً يَكونُ العَملُ للهِ ويُشارِكُه الرِّياءْ، فَإنْ شَاركَهُ مِن أَصلِهِ فالنُّصوصُ الصَّحيحةُ تَدلُّ عَلى بُطلانِهْ، وأَمَّا إِنْ شَاركهُ مِن أَصلِ العَملِ للهْ، ثُمَّ طَرأتْ عَليهِ نِيةُ الرِّياءْ، فإِنْ كانَ طَرأَ ثُمَّ دَفعهُ فلا يَضرهُ بِغيرِ خِلافْ، وإِن اسْتمرّ َمَعهُ قِيل: يُحبطُ عَملهْ، وقِيل: لا يَضرهُ ذَلك ويُجَازَى بأصلِ نِيتِهْ، وهَذا إِنَّمَا هُو فِي العَملِ المُرتبطِ آخِرهُ بِأولهِ كَالصلاةِ و الصِّيامِ والحَجْ، وأَمَّا مَالا ارْتِباطَ فِيْهِ كَالقرَاءةِ والذِّكرِ وإِنفاقِ المَالِ ونَشرِ العِلمْ، فَإِنَّهُ يَنقطعُ بِنيةِ الرِّياءِ الطَارئةٍ عَليهْ، ويَحتاجُ إِلى تَجديدِ النِّيةْ، وقَدْ يَكونُ قَصدُهُ مِن العَملِ خَالصاً للهْ، لكنَّ اطِّلاعَ النَّاسِ عَليهِ يَكونُ قَوياً لنَشاطهْ، ولَو لَمْ يَطلعْ عَليهِ أَحدٌ لم يَتركْ العِبادةْ, فَهَذَا يُثابُ عَلى قَصدهِ الصَّحيحْ، ويُعاقبُ عَلى قصدهِ الفَاسدْ, وقَد يكونُ واردَ الرِّياءِ عَليهِ بَعدَ فَراغهِ مِن العِبادةِ كَأنْ يُسرَّ بِظهورِ عَملهِ مِن غَيرِ إظهارٍ مِنهُ لَهْ، فَهذَا لا يُحبطْ العَملْ؛ لأَنهُ قَد تَمَّ عَلى الإِخْلاصْ، وهَذاَ إِذا لم يَتكلفْ إِظهارهُ والتَّحدثَ بِه، فَأمَّا إِن تَحدثَ بِه بَعد تَمامهِ وأَظهرهُ فَهذَا مُخوفْ، والغَالبُ عَليهِ أَنَّه كانَ فِي قَلبهِ وقَت مُباشرةِ العَملِ نَوعٌ مِنْ الرِّياءْ، فَإِن سَلمَ من الرِّياءِ أَصلاً وأَظهرهُ بَعد ذَلك نَقص أَجرهْ، فإِنَّ عَملَ السِّرِّ فَوقَ عَملِ العَلانيةِ بدَرجَاتْ. ومِن النَّاسِ مَن يُخفي عَملهُ بِحيث لا يُريدْ أَنْ يَطلعَ علَيهِ أَحدْ، ولكِنَّهُ إِذا رَأَى النَّاسَ أَحبَّ في نفْسِه أَن يَبدؤُهُ بِالسَّلامْ، وأَن يُقَابلوهُ بِالبشاشةِ والتَّوقيرْ, ويَنشطُوا فِي قَضاءِ حَوائجهِ، ويُسامحوهُ فِي المُعاملةِ، ويُوسعُوا لَه في المَكانْ، فَإِن قَصَّر في ذلكَ أحدٌ ثَقل ذلكَ على قَلبهِ، وكأنَّ نَفسهُ تَتقاضى الإِحرامَ عَلى الطَّاعةِ التِي أَخطاهَا، وقَد كانَ أحدُ الصَّالحينَ أتَى ومَعهُ غُلامُه يَشتريْ حَاجةً من دُكانْ، فَقال رَجلٌ لِصاحبِ الدُّكانِ: رَاعِ الشَّيخْ، فَأَخذَ بِيد غُلامهِ وقَال: هَيَّا يَا بُني فإنَّمَا جِئنا لنشتريَ بِأَموالنَا لا بِأدْيَانِنَا. وحَكى وهبُ بنُ مُنبهْ: أَنَّ رَجلاً مِن العِبادِ قَال لأَصحابهْ: إِنَّا قَد فَارقْنَا الأَموالَ والأَولادَ مَخافةَ الطُّغيانْ، وإِنَّا نَخاف أن يكونَ قد دخلَ علينَا في أَمرنَا من هذَا الطُّغيانِ أكثرَ مما دَخلَ على أَهلِ الأَموالِ في أَموالهمْ، إِنَّ أحدنَا إذا لقِي أَحبَّ أَنْ يُعظمَ لمكان دِينهْ، وإِن كَان لَه حَاجةٌ أَحبَّ أَنْ يُرخصَ لَهُ لمَكانِ دينهْ، فَبلغَ ذَلكَ ملِكَهمْ فَركبَ في موكِبهِ، فَإذا السَّهل والجبلُ قَد امتلأَ مِن النَّاسْ، فَقالَ الصَّاحبْ: مَا هَذا؟ قِيل هَذَا المَلكْ: فقالَ لصاحِبهِ ائْتِني بِطَعامْ، فَأتَاهُ بِبَقلٍ وزَبيبْ، فجَعل يَحشو شِدقَيهِ، ويَأكلُ أكْلاً عنِيفاً: فَقالَ المَلك: أَينَ صاحِبُكم؟ فَقَالوا: هَذَا: فَقالَ كَيف أنتْ؟: قَالْ: كالنَّاسْ: فَقَال المَلكُ: مَا عِندَ هَذا خَبر، وانْصرفَ عنه: فَقالَ الحمدُ للهِ الذيْ صرفَهُ عنِّي وهُو لِيْ لائِمْ
محمد بن عبد الله السبيل
مكة المكرمة
المسجد الحرام
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-الإخلاص من أهم الواجبات وهو شرط لقبول العمل 2- تحذير الشارع من عدم الوقوع في ضده وهو الرياء 3- كلام بعض السلف في هذا
الخطبة الأولى
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله - واعلموا أن تقواه هي الزاد الذي لا يفنى، وهي الموصلة إلى الله، وهي التي تقي مصارع السوء في الدنيا والآخرة.
عباد الله: إن إخلاص العمل من أوجب الواجبات، ومن أبر الطاعات، وهو أساس لكل عمل صالح إذا خلا العمل من الإخلاص، فلا قيمة له ولا ثواب له في الدنيا والآخرة، بل إن عدم الإخلاص داخل في مسمى الشرك، بل هو محبط للعمل، كما جاء في الحديث القدسي: (( يقول الله - عز وجل -: من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ) ) (1) [1] ، ولقد حذر منه سبحانه في محكم كتابه، مخاطبا نبيه محمدا - - وهو خطاب لأمته: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين [الزمر:65-66] .
وإن عدم الإخلاص في العمل هو الشرك الذي حذر الله منه، وحذر منه رسول الله - - وأخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
وإن الشرك على نوعين: شرك أكبر مخرج من الملة، وهو أن يصرف العبد لغير الله نوعا من أنواع العبادة الواجبة لله وحده.
وهناك نوع آخر من الشرك، وهو الشرك الخفي الذي هو أخطر ما يكون على الأمة، وهو الرياء وإن كان قليله لا يخرج من الملة، ولكن ما أعظم خطره وما أخوفه على الصالحين، كما قال في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: (( ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال ) )؟ قالوا: بلى، قال: (( الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه ) ) (2) [2] . إن هذا هو الرياء الذي خافه - - على أمته، بل خافه على الصالحين؛ لأنه - - خاطب به أصحابه، وقد قال الله عز وجل: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً [ الكهف:110] . فالعمل الصالح هو ما شرعه الله في كتابه ورسوله - - في سنته، ومن شرطه أن يكون خالصا لوجه الله الكريم، لا رياء فيه، ولا سمعة. ولما جاء رجل إلى عبادة بن الصامت - - فقال: أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، فقال له عبادة - رضي الله عنه: ليس له شيء، إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك فمن كان له معي شريك فهو له كله لا حاجة لي فيه.