فهرس الكتاب

الصفحة 8850 من 9994

واسألوا الله النصر للإسلامِ والمسلمين، فالذي قدر النصرَ للسابقين قادر على إنزال النصر على اللاحقين .

اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهم زينا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه إمام المتقين وقائد الغر المحجلين وعلى أله وصحابته أجمعين .

وأرضي اللهم عن الخلفاء الراشدين أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي

اللهم آمنا في الأوطانِ والدور وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 -زاد المعاد (2/70) .

2-رواه مسلم (1134) من حديث عبد بن عباس رضي الله عنهما .

3-رواه الإمام احمد (22590) من حديث أبي قتادة t .

محمد سرور زين العابدين

مقدمة:

الذين يريدون أن يفهموا منطق الطغاة، وأساليبهم، وخططهم، ووسائلهم، ومكائدهم، ومؤامراتهم، وكيف يتعاملون مع العلماء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، والدعاة الذين يصدعون بالحق غير هيابين ولا وجلين.

والذين يريدون أن يعرفوا طبيعة المواجهة مع الطغاة المستبدين الذين لا يرقبون في المؤمنين إلا ولا ذمة، والمواجهة معهم حتمية شئنا أم أبينا، وسنة من سنن الله في الأرض... هؤلاء الذين يبحثون عن هذه المعرفة عليهم أن يتدبروا كتاب الله الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويستعرضوا سير رسل الله وأنبيائه مع الطغاة، قال - تعالى: (( مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ(43) [فصلت/43] .

والذي اختاره الطبري وقاله ابن كثير في تفسير هذه الآية:"ما يقال لك [أي لخاتم الأنبياء صلى الله عليهم وسلم] من التكذيب إلا كما قيل للرسل من قبلك فكما كذبت كذبوا، وكما صبروا على أذى قومهم لهم فاصبر أنت على أذى قومك".

وما يقال للعلماء والدعاة في هذا العصر إلا ما قد قيل لنبينا محمد ومن سبقه من الأنبياء والرسل صلى الله عليهم وسلم، من التكذيب وغير ذلك من الاتهامات والافتراءات الباطلة.

وهذا هو المنهج الحق لفهم واقعنا، وللتعامل مع المشكلات: السياسية والدعوية والاقتصادية التي تواجهنا، والذين يعتقدون أنهم يحكمون اجتهاداتهم في هذه المشكلات يسرفون في الخطأ، والاجتهاد في مفهومهم أن يقولوا رأيهم الذي كونوه من منطلق خبرتهم في حياتهم الدعوية والسياسية دون أن يكون هذا الرأي مؤصلاً تأصيلاً شرعياً، والاجتهاد الشرعي يخضع لضوابط، منها أن يملك المجتهد الأدوات الشرعية التي تمكنه من ولوج هذا الميدان.

ومن المؤسف أن بعض الدعاة ملمون بالعلوم الشرعية بينما نجد اطلاعاتهم ومعرفتهم بالعلوم السياسية وغيرها من قضايا العصر دون الحد الأدنى، والبعض الآخر على نقيض ذلك، فهم ملمون بالقضايا المعاصرة دون أن يكون عندهم حد أدنى من العلوم الشرعية، ولابد من الوسطية في ذلك، واقتفاء آثار المحققين المصلحين من علماء السلف - رحمهم الله -.

من أجل الجمع بين الحسنيين كتبت عن منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله، وصدر جزءان من هذه السلسلة، وهذا هو الجزء الثالث، وقد يكون العنوان الذي سأختاره له"موسى بين طغيان فرعون وخذلان بني إسرائيل"، وإن وجدت أفضل من هذا العنوان لن أتردد في اختياره.

قال - تعالى: (( إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ(24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) )) [غافر/24، 33] .

اختار الله نبيه وكليمه موسى - عليه السلام -، وأرسله إلى: فرعون ملك مصر وطاغوتها المتجبر، وهامان وزيره والرجل الثاني في مملكته، وقارون الذي كان من أغنى أغنياء عصره. قال - تعالى: (( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76) [القصص/76، 77] ))، ورجال المال شركاء للحكام في قراراتهم وأوامرهم، وقد كان المال ولا يزال يرفع أقواماً لا خلاق لهم لأنه عصب الحياة ومصدر مهم من مصادر قوة الشعوب والأفراد.

وهؤلاء الثلاثة - فرعون وهامان وقارون - رموز الشر والفساد والضلالة والطغيان، وأعمدة الكفر والشرك وعبادة الأوثان، فكيف سيواجههم موسى - عليه السلام -، وهو الذي خرج من بلدهم خائفاً لا يأمن على نفسه، ومن جهة أخرى لم يكن مستعداً لهذه المهمة، ولا كان يستشرف إلى النبوة.

شكا نبي الله لربه ضعفه أمام فرعون وقومه، كما شكا عقدة في لسانه، فقال له الحق - جل وعلا: (( قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى(45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46 ) )) [طه/45، 46]

لا تخافا [الخطاب لموسى وهارون] من فرعون، وجيشه، وماله، وملئه، وطغيانه، فهو عبد من عبيد الله مهما تجبر وتطاول، ولا يقوى على تغيير أو تبديل أمر قضى به الله... وثق موسى من وعد ربه وتحرر من الخوف، كما تحرر من مقاييس أهل الأرض وأحكامهم المادية، وأصبح فرعون وهامان وقارون وسائر الملأ لا يساوون في عينيه جناح بعوضة، وكيف لا يشعر هذا الشعور، ويتحرر هذا التحرر والله يقول له ولأخيه هارون (( لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ) ). وقال - تعالى: (( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ(23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) [غافر/23-25] تشير هاتان الآيتان إلى أن الله - تعالى - أرسله بالآيات البينات، والدلائل الواضحات، والحجج والبراهين القطعية، قال - تعالى - عن هذه الآيات البينات: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا} (101) سورة الإسراء.

قال صاحب زاد المسير:

"اتفق جمهور المفسرين على سبع آيات منها، وهي يده، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، واختلفوا في الآيتين الآخرتين" [1]

وقال ابن كثير:

"وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد وعكرمة والشعبي وقتادة: هي يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وهذا القول جلي حسن قوي" [2] .

وقال ابن كثير أيضاً:

"وقد أوتي موسى - عليه السلام - آيات أخر كثيرة بعد خروجه من مصر، ولكن ذكر هاهنا التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر" [3]

وإذا كان مجموع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه تسع، ففي لقائه الأول مع موسى - عليه السلام - بعد البعثة شاهد الطاغية وملؤه آيتين: العصا واليد.

موقف فرعون: لا تسل كيف دخل موسى على فرعون وملئه، وكيف أذن له حرس فرعون ورجال أمنه؟ ولا كيف خرج من المقابلة الأولى عزيزاً منتصراً؟، ولماذا لم يستغل الحاكم المتجبر مسألة قتل موسى - عليه السلام - للقبطي ويعتقله ثم يأمر بقتله... لا تشغل نفسك بمثل هذه الأمور التي حسمتها الآية القرآنية السابقة (( قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ) )، وتعال لنستمتع بهذا الحوار الطريف:

(( ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ(103) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) )) [الأعراف/103، 107]

كان وقع هذه المفاجأة على فرعون وهامان وقارون أقوى من الصاعقة، وأشد أثراً من الزلزال المدمر، ولهذا فقد اضطربوا وفزعوا، وغلبت شهواتهم الشريرة على عقولهم فقالوا [ساحر كذاب] !!، ويعلم هذا الفرعون بأنه هو الكذاب، وذلك للأسباب التالية:

1-نشأ موسى وترعرع في قصر فرعون منذ ولادته وحتى أصبح شاباً يافعاً، ولم يجرب عليه كذباً أو خيانة، وكان معروفاً بصدقه وأمانته وشجاعته وعفته.

2-كان للسحرة شأن كبير عند الفراعنة، وكانوا يقربونهم ويدفعون لهم المكافآت السخية، ويعرف فرعون أن ليس لموسى - عليه السلام - أدنى علاقة بهذه التجارة الخاسرة والبضاعة المزجاة.

3-طلب فرعون من موسى آية فأراه آيتين: عصاه ويده، فكيف يطلب دليلاً، وعندما يأتيه يتهم نبي الله بالسحر والكذب؟!.

4-كان فرعون يعلم بقرب ظهور نبي من بني إسرائيل، ولهذا فقد كان يقتل أبناءهم في العام الذي ولد فيه موسى - عليه السلام -، وها قد جاءه هذا النبي الذي يعرف حسبه ونسبه.

وظن فرعون وهامان وقارون أن إشاعة هذا الخبر الذي لفقوه - ساحر كذاب!! - كاف لتشويه سمعة موسى وهارون، وانفضاض الناس من حولهم، لاسيما وأن الدعوة لا تزال في بدايتها، ولم تنتقل أخبارهم إلى سائر أرجاء مصر، وكان خطؤهم في تقديرهم وتدبيرهم. قال - تعالى: (( فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ(25) [غافر/25] )).

عندما تواترت المعجزات الباهرة، وأخذ أمرها ينتشر بين الناس، وأدرك فرعون وهامان وقارون أن دعاياتهم وإشاعتهم فشلت لجأوا إلى إصدار أوامرهم المعتادة (( اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم ) ). قال الرازي:"والصحيح أن هذا القتل غير القتل الذي وقع في وقت ولادة موسى - عليه السلام -، لأن في ذلك الوقت أخبره المنجمون بولادة عدو له يظهر عليه، فأمر بقتل الأولاد في ذلك الوقت، وأما في هذا الوقت فموسى قد جاءه وأظهر المعجزات الظاهرة، فعند هذا أمر بقتل أبناء الذين آمنوا معه لئلا ينشأوا على دين موسى فيقوى بهم، وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات، فلهذا السبب أمر بقتل الأبناء ثم قال - تعالى - (( وما كيد الكافرين إلا في ضلال ) )ومعناه أن جميع ما يسعون فيه من مكايدة موسى ومكايدة من آمن معه يبطل، لأن {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (2) سورة فاطر" [4] .

ومع أن جند فرعون ما كانوا يترددون في تنفيذ أوامر سيدهم، وخاصة إذا كان الضحايا من بني إسرائيل المقهورين الممتهنين، أو من عائلات مغمورة لا يتبناها ولا يدافع عنها أحد من ملأ فرعون، أما هذه المرة فلم ينفذوا أمر الطاغية لأن الله حفظ موسى وهارون والذين آمنوا معهما، وقال لهما عندما أرسلهما إلى فرعون: (( لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ) )، وبشكل مفاجئ ينتقل فرعون من الأمر بالقتل العام (( اقتلوا أبناء الذين آمنوا ) )إلى الاستئذان بقتل موسى وحده (( ذروني أقتل موسى وليدع ربه ) )، فماذا وراء هذا التحول واستئذان ملئه بذلك؟!.

يقول المفسرون: كانت هناك معارضة لفرعون، ولم يوافق بعض الملأ على قتل موسى - عليه السلام - أو أبناء الذين آمنوا معه، ولهذه المعارضة أسباب:

منهم: من كان يعتقد أن موسى صادق، فيأتي بوجوه الحيل في منع فرعون من قتله، وهذه حال مؤمن آل فرعون الذي سنتحدث عنه في حلقة أخرى إن شاء الله.

ومنهم: من كان يخشى من الهلاك، ولهذا قال فرعون (( وَلْيَدْعُ ربه ) )الذي يزعم أنه أرسله فليمنعه من القتل.

ومنهم: من كان يرى أن فرعون لو قتل موسى فسيقول الناس: إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتلوه.

جاء هذا الاستئذان بعد أن قطع موسى - عليه السلام - مراحل في دعوته، وأصبح أمره معروفاً عند الخاصة والعامة، ووجد - عليه السلام - من يتعاطف معه إيماناً بدعوته - وإن كانوا قلة - أو خوفاً على أنفسهم وقومهم من سوء العاقبة، والآيات التي تلي هذه الآيات التي تحدثنا عنها في هذه الحلقة، تعرض لنا صورة رائعة للحوار الذي دار بين مؤمن آل فرعون وفرعون، وواضح من هذا الحوار أن فرعون قد عقد العزم على قتل موسى (( ذروني أقتل موسى ) )أي دعوني أقتله، ويؤكد هذا الحوار أن هناك معارضة، وأهم المعارضين كان مؤمن آل فرعون، لكنه ليس المعارض الوحيد، ولو كان كذلك لقال له فرعون"ذرني"، وفي نهاية الحوار استجاب فرعون لرأي الذين يعارضون اقتراف هذه الجريمة ولو كان المقصود من هذه الاستجابة تهيئة الظروف المناسبة لتنفيذ الجريمة بموسى - عليه السلام - والذين آمنوا معه.

وقفات:

الوقفة الأولى:

في أول لقاء بعد البعثة بين موسى - عليه السلام - والطغاة: فرعون وهامان وقارون، قالوا عن موسى [ساحر كذاب] رغم الأدلة والبراهين التي واجههم بها.

وعندما استأذن فرعون ملأه في قتل موسى قال عن الأسباب الموجبة لذلك {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} (26) سورة غافر.

يخشى فرعون أن يبدل موسى دينهم، وكان للأقباط دين، فهم وثنيون يؤمنون بتعدد الآلهة، والناس، كل الناس يمجدون دينهم ويقدسونه، وحبهم له فوق حبهم لأنفسهم وأموالهم، ولو كان هذا الدين باطلاً وخرافياً... ولو كان فرعون مصدراً أساسياً لهذا الدين، فإذا قال لهم: (( أنا ربكم الأعلى ) )قالوا: سمعاً وطاعة، وإن قال لموسى: (( لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين ) ) [الشعراء/29] ، قال قومه: أنت إلهنا ولا إله غيرك.. وهذا هو الدين الذي يخشى الطاغية أن يغيره موسى!!.

أما فساد الدنيا (( أو أن يظهر في الأرض الفساد ) )فلابد أن يجتمع عليه قوم، ويصير ذلك سبباً لوقوع الخصومات وإثارة ا لفتن.

وفرعون من الخبث والمكر بحيث يعلم أن دعوة موسى - عليه السلام - شاملة لجميع أمور الناس في حياتهم الدنيوية وفي آخرتهم، واجتماع الناس على موسى يعني أموراً كثيرة:

منها: أن دور فرعون وطغيانه واستبداده سينتهي إلى غير رجعة.

ومنها: أن دينهم سينتهي دوره، ويعبد الناس الله الواحد القهار، ويقرون بوحدانيته، وعدم الإشراك به أحداً من خلقه.

ومنها: إلغاء قوانينهم ومراسيمهم ودستورهم... وماذا يبقى للأقباط إذا تغير دينهم وفرعونهم وتغيرت قوانينهم ومراسيمهم وطريقة حكمهم، وجاء هذا التغيير على يد رجل من بني إسرائيل الذين ينظرون إليهم نظرة احتقار، ولا يتمتعون بالحقوق التي يتمتع بها السادة الأقباط، وهم بالتالي ليسوا أكثر من خدم وعبيد؟!.

عرف فرعون كيف يستفز الأقباط ويجندهم ضد موسى والذين آمنوا معه، لا سيما وهو يعلم، كما يعلم غيره من الطغاة أن شعوبهم تألف التقليد والتمسك بعادات وتقاليد الآباء والأجداد، وتكره التجديد وتخشاه، كما أنها تكره الخصومات مهما كان سببها حتى لو كانت صراعاً بين الحق والباطل، ويجد كبراؤهم المسوغات والأعذار التي تبيح لهم التقاعس عن نصرة دعاة الحق والتجديد.

وخلاصة القول: ما كنا نتصور أن يؤمن فرعون برسالة موسى - عليه السلام -، ويتخلى عن جبروته وطغيانه، ولو كان يعلم أن ما جاء به موسى هو الحق الصراح، وإذن لا بد من رد، وحملة إعلامية شعواء ضد الدعوة والداعية - عليه السلام -، وجاء الرد مختصراً: إن موسى ساحر كذاب يريد أن يغير دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد!!

هذا ما قاله فرعون عن موسى - عليه السلام -، فماذا يقول طغاة عصرنا عن: العلماء العاملين، والدعاة الصادقين، والجماعات الإسلامية العاملة من أجل نصرة الحق، والتمكين لدين الله في الأرض؟ لم يتردد الطغاة في وصفهم: بالكذب، والفساد، والإجرام، والتزمت، والطائفية.

ويتهمونهم بإثارة الفتن والأحقاد والشغب، وافتعال المعارك بين أبناء البلد الواحد، والسعي من أجل تفريق صف الأمة.

ويقولون أيضاً: يطالبون بإلغاء الدساتير والقوانين لتعم الفوضى، ويأكل القوي الضعيف، ويعودون بالناس إلى عصور الانحطاط والتخلف والجهل.

وآخر ما تفتقت عنه قرائحهم من الوصف والهجوم قولهم: جماعات الإسلام السياسي، التي تتستر بالإسلام من أجل الوصول إلى الحكم!!

وهناك اتهامات كثيرة:

منها: الارتباط والتعاون مع الإنكليز، وإسرائيل سابقاً، وأمريكا لاحقاً.

ومنها: الاتصال بجهات أجنبية، ويحرصون على التعميم في وصف هذه الجهات، ويَعِدُونَ المواطنين بأنهم سيقدمون الأدلة والبراهين التي تثبت إدانة جماعات الإسلام السياسي، وتمر السنون والشهور والأيام دون أن يقدموا ما وعدوا به، وهيهات لهم ذلك، والذي يحدث أن سادة الطواغيت من اليهود والنصارى والأمريكان والإنكليز يسربون أخبار اجتماعاتهم ومعاهداتهم إلى الصحف، وبعد الصحف يأتي دور نشر المذكرات التي تكشف حقيقة عداوة الطواغيت لشعوبهم، وعقيدة أمتهم، وتاريخ المجاهدين من آبائهم وأجدادهم، كما تكشف هذه المذكرات التي ينشرها سادة الطواغيت مدى ولائهم لأعداء الله.

ولا بأس من المضي قليلاً في مناقشة ما يقوله الفراعنة عن موسى وإخوانه أنبياء الله، ومن سار على دربهم من المصلحين والمجددين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت