فهرس الكتاب

الصفحة 8849 من 9994

انظر إلى قدرةِ اللِه جل جلاله التي ترعى أمر موسى وتدبرُ شأنهُ، وتكيدُ لفرعونَ وجندِه، فتجعلُهم يلتقطونه ويحبونه، ويبحثونَ له عن ظئرٍ تُرضعُه, وتُحرمُ عليه المراضع، لتدعَهم يحتارون به, وهو يرفضُ الثدي كلما عُرض على مُرضعٍ، فتقول لهم: (( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) )فيتلقفونَ كلماتهَا، وهم يستبشرُون، يودُّون لو تَصدق فينجو الطفلُ العزيزُ المحبوب! وهاهو الطفلُ الغائبُ يعودُ إلى أمه الملهوفة، معافىً في بدنه، مرموقاً في مكانته، يحميه فرعون، وترعاه امرأتُهُ، وتضطربُ المخاوفُ من حوله، وهو آمنُ قرير،: (( فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) ) (القصص:13) إذن فليتذكرْ المتعجلون لنصر الله وتحقيقي موعده, أنَّ وعد الله لا يتخلف أبدا طال الزمان أم قصر, ولا يتسع المقامُ لذكرِ كلِ الأحداثِ والتفاصيل، وأخذ الدروس والعبر، وما أكثرَها في قصةِ موسى وفرعون، ويكفينا أن نعرفَ هنا كيف فر موسى إلى أرض مدين، خوفاً من بطش فرعون الذي أرسل زبانيتَه وجلاد يه, يبحثون عنه في كلِ مكان, ويكفينا أن نعرفَ ,كيف عاد موسى إلى أرضِ مصر، بعد عشرِ سنين رسولاً مبلغاً، ونبياً مكلما: (( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآياتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ) ) (القصص:36) فهي المماراةُ في الحقِ الواضحِ، الذي لا يمكنُ دفعُهُ، المماراةُ المتكررة، حيثما واجَه الحقُ الباطلُ، فأعيا الباطلَ الجواب. إنهم يدعونَ أنه سحرٌ، ولا يجدون لهم حجةٌ ،إلا أنه جديدٌ عليهم, لم يسمعوا به في آبائِهم الأولين، فهم لا يناقشون بحجة، ولا يدلون ببرهان إنما يُلقون بهذا القولِ الغامض الذي لا يُحقُ حقا، ولا يُبطلُ باطلا .

وأما موسى عليه السلام ، فيحيلُ الأمرَ بينه وبينهم إلى الله، فما أدلوا بحجةٍ ليناقِشَها، ولا طلبوا دليلا فيعطيهم، إنما يمارون كما يماري أصحابُ الباطل, في كل زمان ومكان، فالاختصارُ أولى، والإعراضُ أكرم، وتفويضُ الأمرِ إلى الله أسلم .

(( وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) ) (القصص:37) .

وهو ردٌ مؤدبٌ مهذبٌ، يُلَمِّح فيه ولا يُصَرِّح، وفي الوقت ذاته، ناصعٌ واضحٌ، ملئٌ بالثقةِ والطمأنينةِ، إلى عاقبةِ المواجهةِ بين الحق والباطل، فربهُ أعلمُ بصدقهِ وهداه، وعاقبةُ الدارِ مكفولةٌ لمن جاء بالهدى, والظالمون وإن بدت ظواهر الأمور أحياناً في غير هذا الاتجاه، سنة الله يواجه بها موسى قومه، ويواجه بها كل داعيةٍ قومه كذلك, وكان ردُ فرعون على هذا الأدب الجم، والخلقِ الرفيعِ ادعاءً وتطاولًا، وتهكماً وسخريةً .

(( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) ) (القصص:38) .

يا أيها الملأُ ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري, كلمةٌ فاجرةٌ كافرةٌ, يتلقاها الملأُ بالإقرارِ والتسليمِ. ويعتمد فيها فرعون أولاً: على الأساطيرِ التي كانت سائدةً في مصر، من نسبة الملوك للآلهة، ثم هو يعتمد فيها ثانياً: على القهرِ والبطشِ الذي لا يدعُ للعقلِ أن يفكرَ، ولا للسانِ أن يعبرَ: (( وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ ) ) (العنكبوت:39) فلما وصل كبرهم غايته، وغرورهم نهايته، آن الآوانُ لوضعِ حدٍ لذلك الطيش والعدوان، والبطشُ والطغيانُ: (( فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ) ) (القصص: من الآية40) .

هكذا ببساطة، يُقذف ذلك المتأله الدجال في اليم كما تقذف الحصاة الصغيرة فيه، فتخلفُ فقاعاتٍ هشة لا تلبثُ أن تزول، ويا للعجب! إنه اليمُّ الذي أُلقى فيه موسى طفلا رضعياً، فكان آمناً وملجأً ومناماً, وهو ذاته يُنبذ فيه فرعونَ وجنوده، فإذا هو مخافةً ومهلكةً, فالأمنُ إنما يكون في جنابِ الله ، والمخافةُ إنما تكون في البعدِ عن ذلك الجناب: (( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) ) (القصص: من الآية40) فهي عاقبةٌ مشهودةٌ ، معروضةً للعالمين، فيها عبرة للمعتبرين، ونذير للمكذبين، وتتجلى فيها قدرةُ الله، تعصفِ بالطغاةِ والمتجبرين في مثل لمح البصر: (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) ) (قّ:37) .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وأيا كم بالذكر الحكيم .واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله يعطي ويمنع, ويخفض ويرفع, ويضر وينفع, ألا إلى الله تصيرُ الأمور. وأصلي وأسلم على الرحمةِ المهداة, والنعمة المسداة, وعلى آله وأصحابه والتابعين,

أما بعدُ:

أيها المسلمون: فهكذا طويتُ صفحة ذلك الطاغيةِ العنيد، ونسى ذكره وأصبح أثراً بعد عين، وعبرةً تتناقلها الأجيالُ، فكم كان واهماً، حين ظن أن بضعةً ألوفٍ من جنوده الجبناء، قادرون على حمايته ونصرته، إذا ما حلت نقمة السماء, وهذه العاقبةُ الوخيمة، رسالةٌ واضحةٌ المعالم، بينة الألفاظ, لكل الفراعنةِ على مر الأجيالِ والأزمانِ، بأنهم ضعفاء محاويج، مهما بدا للعامةِ عظيم قدرتهم، وقوي بطشهم، ومهما طبعوا في أذهانِ الدهماء أنهم أولو قوةٍ, وأولو بأسٍ شديد .

وكان على الفراعنة أن يأخذوا الدروسَ والعبَر من أسلافهم، وألا يقعوا في الخطأ نفسه معتمدين على قدراتٍ ماديةٍ هزيلة، لا تساوي شيئاً أمام قدرة الواحدِ القهار، الملكِ العزيزِ الجبار.

وكان على الفراعنةَ أن يدركوا أنهم يخوضون حربا خاسرة, لا محالةَ عندما يجابهون أولياء الله، ففي الحديث:"من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب"وهاهو التاريخ يشهد بكل هذا, فكم هم الفراعنةَ الذين لم يستوعبوا الدروس؟ وكم هم الذين لم يأخذوا العبرَ. فأذاقا هم الله الخز ي في الحياة الدنيا, ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون.

أيها الأخوةُ في الله: هذه الملحمةُ الكبرى، وهذا النصرُ المبيُن لحزبِ اللهِ المؤمنين، والغرقُ والهلاكُ للطغاةِ والمفسدين، وقع كله في العاشرِ من هذا الشهر- شهرُ الِله المحرم - وعليه فيومُ عاشوراء يومٌ من أيام الإيمان، ومناسبةً تستحقُ الشكر والعرفان، بما شرع اللهُ لا بما يهوى البشر .

وقد قدّر المؤمنون على مدار التاريخ هذا اليوم, وعظموهُ, وكانت اليهودُ تصومُ هذا اليوم ويقولون: إن موسى عليه السلام صامهُ شكراً لله، فصامهُ الرسولُ r وقال: « نحن أحق بموسى منكم"بل كانت العربُ في جاهليتها تصومُ ذلك اليوم, وتعظمهُ وتكسو فيه الكعبة » (1) ،وأمرَ النبي r بمخالفةِ اليهودِ, وصيامِ التاسعِ مع العاشر فقال: « إن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع » (2) يعني مع العاشر ."

أيها الأحبة في الله: قدروا هذا اليوم, وصوموه قربةً لله وشكراً، واحتساباً للمغفرةِ والمثوبةٍ, فقد قال عليه الصلاة والسلام: « صوم عاشوراء يكفر سنة ماضية » (3)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت