فهرس الكتاب

الصفحة 5128 من 9994

#رمضان وموسم التغيير

الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

رمضان موسم التغيير عندما نتأمل في هذه الفريضة بكل ما فيها من أركان وشروط صحتها ومن آداب وخصائص كمالها نرى: كم هي الفرصة عظيمة وكم هي الغنيمة ميسورة ، وكم ينبغي لنا أن يكون لنا من شهرنا وفريضتنا ما يكون له أثر ممتد وتغيير حقيقي ، لا مجرد سحابة صيف عابرة أو تغييرات شكلية ظاهرة ؛ لأن الحق جل وعلا ربط هذا بسنته الماضية فقال سبحانه وتعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [ الرعد: من الآية11] .

فرصة التغيير في رمضان عظيمة من وجوه عدة:

أولا: أطول مدة يتوالى فيها التغيير ويستمر على مدى شهر كامل ثلاثين يوماً بلياليها .

ثانياً: تغيير يتناول الإنسان في أعماقه وباطنه وداخله تغيرا في إخلاصه وإيمانه ، مراقبته تغير فيما يؤمله من ثواب الله في أمور يبذلها ، وأعمال يجد فيها تغير فيما يحصل له من طهارة قلب ، وزكاة نفس .. كما أنه كذلك تغير في الظاهر بأعماله وجوارحه .. ألا ترى كيف يغض البصر ، ويكفّ اللسان ، ويمنع الأذى !

ثم هو أيضا تغيير من جهة ثالثة: لا يقتصر على الفرد نفسه أو عليه وحده ! بل هو يعم الأمة كلها فليس المتغير أو المغير منفرداً يشعر بوحشة أو غربة ، بل كل الأمة في مجموعها تعلن تغييرها امتثالا لأمر ربها ، بل وتبدل نظام حياتها كله استجابة لهذه الفريضة والشريعة .

ثم من جهة رابعة: نرى هذا التغيير كيف يكون متسقاً وشاملاً ؛ حتى لأمور الحياة الاعتيادية من طعام وشراب ومنام ، ونقول هنا: إن لم يخرج المسلم من هذه المدرسة التي فيها هذا العمق في التغيير بتغيير حقيقي يبقى دائما أثره في نفسه ، ويحوله من حال إلى حال ؛ فإن ذلك دليل ضعف وآية عجز ، بل ربما تكون سببا من أسباب النظر إلى أدائنا للعبادات ، ومعرفتنا بحقائقها ، وإدراكنا لمقاصدها ، وتحققنا بمضامينها الإيمانية والتربوية .

ولذلك نقف هذه الوقفات مع التغيير الذي يحصل لنا في واقع هذا الشهر الكريم والعبادة العظيمة ؛ لنرى كيف كنا من قبل وهل سنعود من بعد إلى ما كنا عليه من قبل .. لنرى كيف يمكن أن يكون هذا الموسم الرباني الإيماني العبادي الوحدوي الاجتماعي طريقاً عظيماً ، وسبباً موصلاً إلى التعرض لسنة الله بتغيير أحوال الأمة أفراداً ومجتمعاً لتتعرض حينئذ لرحمة الله ، ولتستحق حينئذ تنزل نصر الله ، وليكون لها ارتباط بدين الله ، وتوحّد على شرع الله ، وقدرة على مواجهة أعداء الله عز وجل ؛ فإننا في هذا الزمان نشعر بضعف الفرقة وبذلة البعد عن دين الله سبحانه وتعالى وبالهوان على الناس من أثر هذا البعد عن منهج الله سبحانه وتعالى ..

لننظر إليك - أيها الصائم - لتنظر إلى نفسك أيضا ، وتتأمل في هذه الصور التغييرية:

أولا: الصور التغييرية في نفس وقلب المؤمن .

ألست اليوم أعظم إيمانا وأثبت يقينا ألست اليوم تستشعر معرفة الله سبحانه وتعالى على الوجع الأكمل والأصح والأتم .. ألست تدرك اليوم أنك أعظم خوفا من الله وأشد حياء منه ، وأكثر مراقبة له ، وأشد تحرياً في الإخلاص له .

إن هذا المعنى الذي ينشئه هذا الصيام في النفس هو النموذج الذي ينبغي أن نرقى إليه هو تلك الوصية التي أوصى بها نبينا صلى الله عليه وسلم ابن عباس - وهو غلام صغير مازال في أول مقتبل عمره - ليعلمنا عليه الصلاة والسلام المهمات الكبرى ، والحقائق العظمى التي ينبغي أن نستحضرها في قلوبنا وعقولنا: ( يا بني إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ... تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، إذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) .. ألسنا اليوم نشعر أننا أقرب إلى حفظ الله عز وجل ، وأننا أكثر تعرفا إليه في رخائنا من أثر هذه العبادة والفريضة !

أليست القلوب أكثر حياة ، والنفوس أعظم شفافية ! أليس الإقبال على الخير عظيما ! أليس الخوف من الشر والمعصية كبيراً ! ألسنا نشعر بدفقات إيمانية وحياة روحية مختلفة ! أليس هذا التغيير نشعر بآثاره سكينة في نفوسنا ، طمأنينة في قلوبنا لذة ، وحلاوة في عباداتنا أنساً وتذوقاً لمناجاة ربنا .. ألسنا نشعر بذلك كله ألا نتوق حينئذ أن نجعل هذا التغيير حقيقياً يبقى في النفس ويغرس في القلب ! أليس ذلك إذا صدقنا فيه مع الله تحققت لنا كل وعود الله سبحانه وتعالى فتتحقق في قلوبنا الخشية بمعرفته.. { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [ فاطر: من الآية28] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت