فهرس الكتاب

الصفحة 4390 من 9994

#جهاد الدعوة

الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الاخوة المؤمنون:

جهاد الدعوة مهمة عظيمة ، ومسألة جسيمة ، تنزلت بها الآيات ، ورويت فيها الأحاديث ، وظهرت في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في كل أحواله وفي سائر منازله .

ذلكم الأمر المهم ، والفريضة العظيمة التي تحقق الفتح الأعظم ، فتح القلوب والعقول ، وتغيير النفوس والأرواح ، وتوجيه السلوك والأعمال .. ذلكم الأمر العظيم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعظم من قام به ، وأجلّ من استنفذ فيه جهده وطاقته ، ونال في ذلك المرتبة العظمى ، والذروة السامقة .

وصف ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في كلمة واسعة شاملة ، ندخل بها إلى حديثنا وموضوعنا هذا ؛ لملامسته لكثيرٍ من أحوال أمتنا وصور واقعنا ، قال ابن القيم رحمه الله:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا منه - أي الجهاد - واستولى على أنواعه كلها ، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان ، وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده ، ولهذا كان أرفع العالمين ذكراً ، وأعظمهم قدراً ، وأمره الله - جل وعلا - بجهاد الكافرين من حين بعثه الله ، فقال تعالى: { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً * فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً } ."

فهذه سورة مكية ، أمر فيها بالجهاد للكافرين ، ولذلك - أي لتوضيح هذا - أمر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن ، وكذلك جهاد المنافقين إنما هو تبليغ الحجة ، وإلا فهم تحت قهر الإسلام ، قال تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير } .

فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار ، وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل ، والقائمون به أفراد في العالم ، والمشاركون فيه والمعاونون عليه - وإن كانوا هم الأقلين عدداً - فإنهم أعظم الناس عند الله قدراً"."

هذا الإيجاز بين الجوانب العظيمة التي جاهد فيها النبي صلى الله عليه وسلم جهاد القلب والجنان وجهاد الدعوة والبيان وجهاد السيف والسنان ، وكلها ميادين عظيمة لو أردنا أن نراها في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فهي هاهنا ثلاثة أثلاث ، اثنان منها ليس في جهاد الميادين القتالية العسكرية .

وإن جئنا إلى السيرة الفعلية النبوية في حياته صلى الله عليه وسلم ؛ فإنا واجدون من الزمان زماناً ممتداً عظيماً كان ميدان جهاد القلب والجنان والدعوة والبيان هو الأول والأخير فيه .

جهاد الدعوة المكية عشر سنوات متواليات من بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيها بقتال ، بل قد أمر بترك القتال والصبر والكف عن الكافرين والمشركين .. فهل حين لم يكن ثمة قتال ولا جهاد ، لم يكن ثَمّ دعوة ولا جهاد ؟!

لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة المكية بأعظم وأجل دورٍ في الدعوة إلى الإسلام ونشره .

فإن الغاية العظمى من هذا الدين والمسئولية الكبرى على حملته إنما هو إظهاره وإعلامه ، وبيان محاسنه وإقناع العقول به ، وغرس محبته في القلوب ، وجعل الناس كلهم يدخلون في دين الله أفواجاً ، وليكن طريقهم إلى ذلك تنوع هذه الميادين الجهادية كما فعل المصطفى صلى الله عليه وسلم في الدعوة المكية ، انصب جهده لمن استجاب له ؛ ليعمق الإيمان في قلوبهم ، ويغرس العقيدة في نفوسهم ، ويثبت الإسلام فكراً ومعرفةً في عقولهم ، ويصوغ منهم أفراداً قلائل يعيشون في مجتمع مخالف مغاير ، بدءاً من التصورات والأفكار ، ومروراً بالمشاعر والعواطف ، وانتهاءً بالحديث والكلمات ، وظهوراً في الأعمال والممارسات ؛ وبذلك بقوا محافظين على هويتهم ، ثابتين على إيمانهم ، مستعلين بإسلامهم كل المخالفات والمعارضات الاجتماعية والسياسية والقولية والفعلية لم تستطع أن تنال من هويتهم ، ولا أن تغير من ثبات عقيدتهم ، وذلكم ضربٌ من ضروب الجهاد العظيم الذي تحتاجه الأمة اليوم في ديار الإسلام ، فضلاً عن أحوال المسلمين في غير ديار المسلمين ..

فأين جهاد الدعوة في هذا الميدان ؟ أين التربية التي أنشأت بلالاً تكسرت على صخرة ثباته وإيمانه الصخور العظيمة والإرهاب والعذاب الشديد ؟

لأنه قد صاغه محمد صلى الله عليه وسلم بجهاد الدعوة وتربية الإيمان صياغة فريدة ، وكذلكم الأمثلة العظيمة الكثيرة في الفترة المكية التي رغم كل تلك المعارضات لم يثبت أن ثمة موقفٍ من تراجع ، أو انسلاخ من دين ، أو تبرأ من حكم ، أو تغيير لشريعة من شريعة الإسلام !

بل كان هذا الثبات ناشئًٌ من هذه التربية والدعوة الإيمانية الجهادية ، وإن ميدان الجهاد إنما هو بذل الجهد في مرضات الله سبحانه وتعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت