فهرس الكتاب

الصفحة 4391 من 9994

ولو مضينا لوجدنا المهاجرين إلى الحبشة الذين كانوا قلة في أرضٍ غريبة وفي بلاد غير مسلمة وفي ديار هجرةٍ وغربة ، فأي شيء صنعوا ؟ هل قاتلوا وحاربوا ؟ هل خاصموا وناوءوا ؟ وهل ذابوا وانحلوا ؟ وهل مسخوا وتشوهوا ؟ وهل أصبحوا كغيرهم من أولئك الناس في تلك المجتمعات ؟

كلا ! لقد ثبتوا على دينهم ، واستطاعوا أن يكونوا رسل دعوةٍ تشرف وتعرف بدينهم .

ويوم جاء الموقف في المواجهة بين يدي النجاشي رسل قريشٍ يؤلبون ، ويريدون أن يمارسوا إرهابهم وإجرامهم خارج أرضهم ، والمسلمون كلهم كلمة واحدة ، مجتمعون على رأي واحد ، يتحدث باسمهم واحد منهم ، فليس ثمة اختلافاتٍ ولا تبايناتٍ ، وإنما في مواجه المجتمع المخالف وفي الحديث مع غير المسلمين كانوا قلباً واحداً ، ولساناً واحداً ، ولغةً واحدة ..

ووقف جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يظهر محاسن الإسلام ، ويبين عيوب الجاهلية وعوارها بقوله:"كنا في جاهلية وكفر نشرب الخمور ونعبد الأصنام ويظلم القوي منا الضعيف - ويصف الصور القبيحة في الجاهلية - حتى بعث الله فينا رجلاً منا نعرف نسبه وشرفه ، فدعانا إلى الإسلام ، وإلى البر والصلة والصدق والعفاف ..."، وعدد من خصال ومحاسن الإسلام ما جعل العاقل المنصف والعادل النجاشي يقر بأن أولئك القوم يحتاجون إلى نصرته ودعمه فقال لهم:"اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي"، أي تنالون السلام لا يمسكم أحد بأذى ، فقه عظيم في جهاد الدعوة الحضاري ، وحكمة بالغة في إظهار محاسن الإسلام ومعانيه الإنسانية التي تؤثر في غير المسلمين .

ثم جاء مرة أخرى كيد الكفار ، وقال عمر بن العاص وكان إذ ذاك على كفرة:"والله لآتينهم غداً بما يبيد خضرائهم"، وجاء إلى النجاشي فقال:"إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيما".

إن النصارى الذين كانوا إذ ذاك يقولون بمقالة"عيسى ابن الله"أو"هو الله"، تعالى الله عما يقولون علوً كبيراً !!

والمسلمون في هذا الأمر عقيدتهم واضحة ، فجاءت المواجه مرة أخرى ، وليس هناك مجال إلا هذا أو ذاك .. فهل تعطى الدنية في الدين ؟ وهل تُغير العقائد ؟ وهل تبدّل الحقائق بحجج قد تقال للمحافظة على المسلمين ، أو لإظهار محاسن الإسلام ، وإبداء بعض ما قد لا يفهمه غير المسلمين ؟

كلا ! عندما سئل جعفر رضي الله عنه قال:"نقول فيه ما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو كلمة الله وروحه التي قذفها في مريم"أي جاء عيسى عليه السلام بشراً كسائر البشر !

فقال النجاشي العادل المنصف العاقل:"والله ما جاوز ابن مريم عليه السلام ما قلت مثل هذا العود"أي قولك مطابق . فنخرت البطارقة ، قال: وإن نخرتم !

فلننظر إلى هذه الصورة .. لقد كانوا في وقت وظرف وبيئة يمكن أن يكونوا فيها مهددين - وهم كذلك - ولكن فقه الإيمان ، ووضوح الرؤية ، وثوابت الإسلام كانت لديهم واضحة .

وإذا مضينا مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنا واقفون الموقف العظيم الذي يستحق أن يكون له أحاديث وأحاديث كثيرة ..

في ذي القعدة من العام السادس للهجرة خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة معتمراً قاصداً تعظيم البيت ، وأداء النسك ، وجاءت هذه المسيرة بعد بدرٍ يوم الفرقان ، وبعد أحد والأحزاب .. جاءت وقريش مازالت تحكم مكة ، وتعين فيها الكفر ، وتقيم فيها الجاهلية ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن في كل حركة وسكنه وكلمة وحديث أنه يعلن في هذه المسيرة السلام والإسلام ، ولا يسير إلى مواجهةٍ عسكرية ، ومنازلة قتالية ، كيف ذاك ؟

خرج في الأشهر الحرم التي يعظم فيها القتال ويمنع ، وخرج محرماً والمحرم معلوم ما هي هيأته وما هو مقصده .

ثم ساق صلى الله عليه وسلم معه الهدي تأكيداً أنه لم يخرج لقتال ، وبياناً لتعظيمه لبيت الله الحرام ، وإشعاراً لأهل الحرم من الفقراء بأن المسلمين كذلك يهدون للبيت ولفقراء الحرم ، ولم يخرج معه من السلاح إلا بسيف في القران ، ولم يأخذ عدة حرب .

فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك خائفاً أو مداهناً ؟ كلا ! وإنما أراد أن يبين وأن يظهر وجه آخر .. قد رأيتم يا قريش يا أيها الكفار صورة من صور المواجهة في الفترة المكية ، ورأيتم من بعد المواجهات العسكرية القتالية ، وعرفتم كيف هم المؤمنون المجاهدون ، واليوم يأتي غزو جديد وجهاد مختلف .. إنه جهاد المعاني الإسلامية ، والمفاهيم الحضارية ، وجهاد الدعوة النافذ بصورته الحية المتحركة ، والقدوة المثالية المؤثرة .

ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن غافلاً ، ولم يكن تاركاً للتيقظ والحذر ؛ أرسل عيناً من خزاعة يجوس في مكة ، حتى يعرف ما قد يسمعون من الأخبار ، وأخفى مسيرته عنهم ، وأرسل طليعة من عشرين رجلاً ، حتى إذا كان هناك اعتداء أو توجه له كان على أهبة الاستعداد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت