ثم خلأت القصواء - ناقة المصطفى صلى الله عليه وسلم - وبركت ، والقلوب متلهفة للبيت الحرام ، فقد حرمت منه ستة أعوام وأخرجت منه ، فضاقت بعض النفوس ، وقال الصحابة: خلأت القصواء ! فردّ رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: ( ما خلأت وما كان لها ذلك بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل ) .
إنه تعظيم البيت الحرام وهذا هو المراد ، وليس تشبيه أصحاب الفيل بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ! ولكن التشبيه منصبّ على ما جرى به قدر الله من بقاء حرمة البيت وتعظيمه ؛ لئلا تنتهك الحرمة بسفك الدماء ، وإزهاق الأرواح ، وحصول الإضطراب والخوف والهلع .. وشاور النبي صلى اله عليه وسلم أصحابه ، فعزم بعضهم على أن يتهيئوا للقتال ، وقال بعضهم: فلنخالف إليهم في ذراريهم ونقاتلهم ، وقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله إنما جئت تعظم بيت الله ، وتؤدي مناسك الله فامضي لما أراد الله .
فمضى النبي إلى ذلك ، وجاءت المفاوضات وقد أعلن النبي قبلها وكرر - عندما بلغه من الخزاعي الرسول أن قريشاً قد أكلتهم الحرب ، وقد أقسموا ألا تدخلها عليهم - فقال صلى الله عليه وسلم يكشف الجاهلية وحقيقتها وعدوانها وإجرامها وطبيعتها الاستعلائية: ( ويح قريش ! لقد أكلتهم الحرب ، والله لا تسألني قريش خطةً يعظمون فيها البيت إلا أجبتهم إليها ) .
وانتهى الأمر بصلحٍ رجع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يدخل إلى مكة ، لكن كان حينئذٍ هدنة ، وضعت الحرب أوزارها عشرة أعوام فيما كتب ، وكانت الشروط ثقيلة على المسلمين .. بردّ من أسلم إلى قريش ، وعدم ردّ من يسلم من المسلمين إذا ذهب إلى قريش !!
لكن أي أمرٍ هذا الذي حصل ؟
سماه الله - سبحانه وتعالى - فتحاً مبيناً ، فقال فيما تنزلت به الآيات على رسول الهدى صلى الله عليه وسلم في أثناء انصرافه من الحديبية: { إنا فتحنا لك فتحاً مبينا } .
حتى إن عمر تعجب وقال: أو فتح هو يا رسول الله ؟! قال: نعم
أي فتحٍ كان ذلك ، ولم يكن ثمة قتال ، ولم يكن ثمة إزاحة ، ولا دخول ولا فتحٍ ولا شيء من ذلك ؟
إنه الفتح الذي غزت فيه دعوة الإسلام كل عقل راشد ، وكل نفسٍ سوية وكل فطرة نقية ؛ لأن جو التوتر والقتال كان يهيج حمية الجاهلية وعظمتها وكبريائها الفارغة ، فلما سكنت النفوس ، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العام الذي يليه ليؤدوا عمرتهم بحسب الاتفاق ، ورأى الناس بأبصارهم إيماناً يتحرك ، وإسلاماً تظهر محاسنه ، وأخوة تفيض بها القلوب ، وعظمة في الإيمان
تظهر في الركوع والسجود ..
رأوا نمطاً من الناس مختلفاً .. رأوا صورة من البشرية في أرقى صورها ، وأسمى معانيها .. رأوا حباً وتعظيماً من الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا ما فتت كل حاجزٍ في صدورهم ونفوسهم .. رأوا كيف عظمتهم وطبقياتهم في جاهليتهم .. رأوا كيف فسقهم وفجورهم .. رأوا كيف هم في سائر أحوالهم حتى إن زعماء قريش الصناديد الكبار الذين يصدون عن دين الله لم يطيقوا صبراً ، فخرجوا إلى خارج مكة لا تستطيع عيونهم أن ترى .. لا تستطيع نفوسهم أن تقبل ، فلما انتهت الأيام الثلاثة أرسلوا مباشرة إلى رسول الله أنهم يخشون الأثر الإيماني الذي ينبث بدون كلمات إلى الناس فيغزوا عقولهم وقلوبهم ، فطلبوا منه أن يخرج بعد انتهاء المدة ، فخرج وقد غرس الإيمان في القلوب ، وقد ظهرت محاسن الإسلام للعقول ، وتهاوت الجاهلية وعنجهياتها في قلوب أصحابها وأربابها .
وأمن الناس بعضهم بعضاً فكان من حق المسلم أن يأتي إلى مكة ليرعى مصالحه أو يزور إخوانه وأقاربه ، فيتحدثون: كيف أنتم في المدينة ؟ ما تصنعون مع محمد صلى الله عليه وسلم ؟
أليسوا يستعيدون التاريخ ؟ كيف كان هؤلاء مضطهدون معذبون ؟ كيف خرجوا مطاردين مهاجرين ؟ كيف أصبحت لهم دولة وكيان ؟ كيف انتصروا في بدر ؟ وكيف فعلوا وفعلوا ؟
كل ذلك عبّر عنه الإمام الزهري - التابعي الجليل - يصور لنا هذا الفتح العظيم في كلمات موجزة قال فيها:"فما فتح في الإسلام فتح قبله مثله كان أعظم منه".
إنما كان القتال حيث النفرة بين الناس ، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب وأمن الناس بعضهم بعضاً
التقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، فلم يكلم أحد في الإسلام يعقل إلى دخل فيه ، ولقد دخل في تلك السنتين - أي بين العام السادس من الهجرة والثامن - دخل في تلك السنتين مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك .
كان عدد المسلمين يوم الحديبية ألفاً واربعمائة ، وكان عددهم يوم فتح مكة بعد عامين عشرة آلاف
.. ذلكم كان ضرباً جهادياً فريداً ، وكان غزواً إسلامياً كاسحاً ، وكان هجوماً إيمانياً شاملاً ، دمّر كل الحصون التي كانت في القلوب ، واخترق كل الأوهام التي قد خالطت العقول
وذلكم كان فتحاً مبيناً بكل تلك المقاييس العظيمة التي أثرها ونتيجتها كانت أعظم من كل أثرٍ لما سبق من المواجهات والمنازلات العسكرية .