وإذا رأينا ذلك رأيناه من بعد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي التاريخ: ألم يكتب النبي للملوك والأمراء ؟ ألم يرسل الرسل ؟
هذا الأمر العظيم الذي انتشر به الإسلام في بقاع شتى من الأرض دون أن تراق قطرة دم واحدة لا لأن الجهاد قد عطل أو ألغي ! ولكن لأن وسائل الجهاد الدعوية عندما عملت عملها دكّت الحصون ، وهدمت الحواجز ، واستطاعت أن تخترقها بجهاد الدعوة إلى الله ، كيف دخل الإسلام إلى شرق آسيا ؟ وكيف ثبت أقدامه في تونس ؟
عندما فتحت بلاد إفريقيا - وهي تسمى كذلك - انتقض أهلها على المسلمين الفاتحين في أول الأمر وهاجموهم مرة أخرى ، ثم مرة ثانية رجع المسلمون وانتصروا ثم انتقضوا عليهم ، فكتب الخليفة أن ابنوا المساجد ، وأشيعوا الإسلام ، فحينئذٍ لم يكن انتقاض ، بل كان إقبال على هذا الدين .
والتتار الذين دمروا العالم الإسلامي من أول شرقه إلى وسطه وجتاحوا بعد ذلك بغداد إلى غيرها من البلاد .. هل انتصروا ؟
قد انتصروا انتصاراً عسكرياً ، وانتصر الإسلام عليهم انتصاراً أعظم يوم دخل أكثرهم في دين الله أفواجا ، وأسلم المنتصرون القاهرون ؛ لأنهم قرعتهم حجة الإسلام ، وهزمتهم محاسنه ، فانقادوا له صاغرين ، وأصبحوا جنداً في سبيله مجاهدين .. تلكم هي المفاتيح التغيرية العظيمة التي لها من الآثار ما ينبغي أن ننتبه إليه ، وخاصةً في عصرنا هذا .
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الدعاة إلى دينه ، والمنافحين عنه ، والباذلين في سبيله ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .
أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الاخوة المؤمنون:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه .
وإن جهاد الدعوة أمره عظيم ، وله أثر كبير أحب أن أشير هنا إلى أمرين اثنين:
الأول: إيجابي
الثاني: سلبي
أما الأمر الإيجابي:
فهو بيان آثار جهاد الدعوة في ميدانين اثنين مهمين ، في ديار الإسلام وفي بلادٍ مسلمة نرى غير المسلمين وهم يتأثرون إذا وجد جهاد الدعوة ويدخلون في الإسلام أفواجا ، يأتون من بلادهم كافرين ويخرجون من بلادنا مسلمين ، وذلك أمر معروف وظاهر لا تخطئه العيون .
فهل قهر أولئك بسيف ؟ وهل أكرهوا على الدين ؟ وهل مورس ضدهم اضطهاد عنصري وتميز عرقي ؟
كلا ! وإنما قدمت لهم كلمة الله وعرفوا بالإسلام دين الله فانقادوا له ؛ لأنهم ليسوا على شيء ؛ ولأن عندهم من التناقض والانحراف ومن الخلل ما ليسوا به على عقيدة واضحة وديانة تامة وشريعة كاملة كما عند آخر الإسلام .
فذلك جهاد الدعوة يوم ينشط نستطيع أن نصدر من بلادنا رسل دعوة ليسوا منا وإنما من ذلك البلد ، ومن تلك الجنسية ، ومن عامل صغير إلى مفكر كبير ، ومن رجل عادي إلى سياسي بارز .. رأينا كيف اخترق الإسلام كل الأجناس والأعراق !
وإحصاءات الأمم المتحدة قبل نحو خمس سنوات تقدّم تقريراً للدين والديانات في العالم ، فتقول في هذه الإحصائية:"أن الإسلام أكثر الأديان انتشاراً على وجه الأرض ، وأنه في سرعة انتشاره يزيد بسته أضعاف على الديانة الثانية بعده".
فهل المسلمون يبذلون في جهاد الدعوة كما يبذل غيرهم ؟ وأنتم تعلمون أن التبشير يبذل آلاف الآلاف من الملايين التي جعل شعار في إفريقيا - على سبيل المثال - أن تصبح نصرانيةً في عام كذا وكذا ، ورصدت سبعة مليارات من الدولارات لهذا المشروع .
ما الذي يحصل ؟ هل هي خبرة المسلمين وقدراتهم الفائقة ؟ هل هي وسائل إعلامهم التي تصل إلى كل مكان ؟
ليس عندهم شيء من ذلك ! وقد ذكرت لكم في إحصائيات سابقة أن لدى المنضمات التي تبشر نحواً من أربعة آلاف وست مائة ما بين قناة إذاعية وتلفزيونية متخصصة في هذه المهمة .
إنه الإسلام بطبيعته يوم يحصل امتثال الناس له ودعوتهم إليه .
وميدان آخر: المسلمون الذين ذهبوا إلى بلاد غير مسلمة وحافظوا على دينهم
ما الذي يحصل اليوم ؟ نجد الناس يصرعون ويهزمون أمام عظمة هذا الإسلام ، فيدخلون فيه أفواجاً ، أيضاً أصحاب العيون الزرقاء والشعور الشقراء أصحاب الحضارة المعاصرة .. اليوم تنهار حواجزهم الفكرية ، وخلفياتهم التصورية والعقدية أمام قوة هذا الدين ، فماذا نرى ؟
ينساح الإسلام شرقاً وغرباً وفي كل مكان ، والإحصاءات الرسمية أقل بكثير من الحقيقية ، ولسنا هنا بصدد ذلك .
فقد زرت بلاداً كثيرة - ومنها البلاد التي يضرب بها المثل في نأيها وبعدها - إلى أقصى الشرق فإذا فيها من المسلمين عدداً يضاهي ثلث المسلمين في البلاد العربية قاطبة .
وأقلية مسلمة في بلدٍ هو الثاني من بلاد العالم في عدد السكان عددهم يعادل المسلمين في البلاد العربية تقريباً .