فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إعداد/ متولي البراجيلي
الحلقة العاشرة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
سنتناول في هذا العدد - إن شاء الله - الحديث الموضوع على سنة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف أنَّ جماعة من الناس على اختلاف مشاربهم وأهوائهم استحلوا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، رغم الوعيد الشديد من النبي صلى الله عليه وسلم لمن كذب عليه، كما في الصحيحين: «إن كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» .
أولاً: الحديث الموضوع
لغة: مأخوذ من وضع الشيء يضعه وضعًا، إذا حطه وأسقطه، ويقال: وضع فلان على فلان كذا، أي ألصقه به.
اصطلاحًا: هو الحديث المختلق المصنوع، المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد سمي بالحديث رغم كونه ليس بحديث، إمَّا بإرادة القدر المشترك وهو يحدِّث به، أو بالنظر لما في زعم واضعه، وأحسن منهما أنه لأجل معرفة الطرق التي يتوصل بها لمعرفته لينفى عن المقبول ونحوه. [فتح المغيث للسخاوي، النكت على نزهة النظر لعلي حسن عبد الحميد، الإسرائيليات والموضوعات لأبي شهبة]
ثانيًا: أنواع الحديث الموضوع
1-أن يضع الواضع كلامًا من عند نفسه، ثم ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابي أو التابعي.
2-أن يأخذ الواضع كلامًا لبعض الصحابة أو التابعين أو الحكماء والصوفية، أو ما يروى في الإسرائيليات، فينسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليروج وينال القبول.
مثال لما هو من قول الصحابة: ما يروى من حديث: أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما. فالصحيح أنه من قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
مثال لما هو من قول التابعين: حديث: «كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل...» فهو من كلام عمر بن عبد العزيز.
مثال لما هو من كلام الحكماء: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء» ، فهو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب على المشهور.
مثال لما هو من كلام المتصوفة ما يروى: «كنت كنزًا مخفيًا، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق، فعرفتهم بي فعرفوني» .
مثال لما هو من الإسرائيليات: ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن. قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: هو من الإسرائيليات، وليس له أصل معروف عن النبي صلى الله عليه وسلم. [الإسرائيليات والموضوعات لأبي شهبة]
3-أن يأخذ الواضع حديثًا ضعيف الإسناد، فيركِّب له إسنادًا صحيحًا ليروج ويشتهر، وهذا النوع يكون موضوع الإسناد لا المتن.
ثالثًا: أسباب الوضع في الحديث
هي كثيرة، ونذكر منها ما يلي:
1-العداوة للإسلام:
وذلك بدخول كثير من الأمم المغلوبة الإسلام كالفرس والروم واليهود وغيرهم، فكان منهم طائفة من المنافقين أظهروا الإسلام وأبطنوا الحقد عليه في قلوبهم فسعوا بشتى الوسائل لإفساد الناس وتشكيكهم في دينهم، كعبد الله بن سبأ اليهودي الذي أخذ يؤلِّب الناس على عثمان رضي الله عنه ويضع الأحاديث في فضل علي رضي الله عنه كحديث: لكل نبي وصي، ووصيي علي. ولم يقف به الأمر عند هذا الحد، بل ادعى ألوهية علي رضي الله عنه، ومثل محمد بن سعيد المصلوب فقد روى عن أنس مرفوعًا: أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله.
2-ظهور الفرق المختلفة:
الشيعة ينتصرون لعلي رضي الله عنه، والعثمانية، ينتصرون لعثمان رضي الله عنه، وخوارج يعادون الشيعة وغيرهم، ومروانية ينتصرون لمعاوية وبني أمية، وقد استباح بعض هؤلاء لأنفسهم أن يؤيدوا أهواءهم ومذاهبهم بما يقويها.
وأيضًا الفرق الكلامية المختلفة من معتزلة ومرجئة وجبرية وجهمية وكرَّامية.. كان له أثر كبير في إذكاء حركة الوضع، فوضعوا أحاديث يؤيدون بها مذاهبهم المختلفة كمثل الحديث الموضوع: الإيمان قول، والعمل شرائعه لا يزيد ولا ينقص.
ومثل قولهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقد سئل عن الإيمان: هل يزيد وينقص، فقال: لا، زيادته كفر، ونقصانه شرك.
ومثل ما وضعه المرجئة: كما لا ينفع مع الشرك شيء، كذلك لا يضر مع الإيمان شيء.
وقد روى ابن حبان في كتاب المجروحين عن شيخ من الخوارج أنه كان يقول بعدما تاب: انظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيَّرناه حديثًا. زاد غيره في رواية: ونحتسب الخير في إضلالكم.
وكذلك قال محرز أبو رجاء وكان يرى القدر فتاب منه: لا ترووا عن أحد من أهل القدر شيئًا، فوالله لقد كنا نضع الأحاديث ندخل بها الناس في القدر نحتسب بها.
وقال الشافعي: ما في أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة. [فتح المغيث للسخاوي]
ومن أمثلة الأحاديث التي وضعها الرافضة.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي فقال: أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة، ومن أحبك فقد أحبني، وحبيبي حبيب الله وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك بعدي.