فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
د. علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
وقفات ستتوالى بإذن الله عز وجل مع وصايا في غاية الأهمية ، أبدأها بلفت النظر إلى أهميتها ؛ فقد روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم قال: ( من يبايعني على هذه الآيات ، وتلا: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ... } إلى ثلاث آيات ، ثم قال صلى الله عليه وسلم:( فمن وفى فأجره على الله ومن انتقص شيئا أدركه الله بها - أي في الدنيا كانت عقوبته- ومن أخر إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له )
رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه - قال مقالة عظيمة تكشف عن أهمية ما نقف معه من هذه الوصايا القرآنية - قال:
"من أراد أن يقرأ صحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات: { قل تعالوا أتل ما حرم عليكم ... } "
وصية مختومة ممهورة بختم ومهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر القرطبي هذه الرواية عن غير ابن مسعود وقال فيها:
"وعليها خاتمه التي لم ينفك فهذه الوصية التي وجهها الحق جل وعلا لرسوله صلى الله عليه وسلم وجعلت خطابا وتوجيها لأمته هي التي رأى الصحابة أنها خلاصة تلك الوصية وخلاصة تلك الديانة العظيمة والشريعة الكاملة التي بُعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم"
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال:"في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب"
وذكر ذلك القرطبي نقلاً عن ابن عباس بقوله:"الآيات المحكمات التي ذكرها الله جلا وعلا في آل عمران أجمعت عليها شرائع الخلق ولم تنسخ في ملة قط".
أفليس مثل هذه الوصايا حري بنا أن نعنى بها وهي آيات تتلى في كتاب الله عز وجل وهداية وجهت لخير الخلق عليه الصلاة والسلام ؛ ولذا فإننا نقف معها هذه الوقفات المتتاليات .. نسأل الله عز وجل أن يفتح علينا بها وفي معانيها وأن يوفقنا لحسن قبولها والعمل بها .
{ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً }
الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكما ذكر القرطبي أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس ما حرم الله عليهم قال:"وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن يبلغوا الناس ويبينوا لهم ما حرم الله عليهم ، وما أحلّ لقوله تعالى: { لتبيننه للناس ولا تكتمونه} فما نقوله اليوم يكون حجة لنا أو علينا ؛ فإن امتثلنا وعملنا وإن بلغنا ودعونا وذكرنا كان ذلك نوراً على نور ، وهدى على هدى وتقى على تقى ، وإن كانت الأخرى قامت الحجة ، وانقطع العذر ، وصارت الأمر إما إلى عقوبة معجلة أو مؤجلة أو إلى رحمة من الله واسعة".
نسأل الله عز وجل من فضله ، وثمت أمر آخر، وهو الخطاب الذي يوجهه النبي صلى الله عليه وسلم ويوجهه من بعده من حملة رسالته ، وأتباع سنته .
{قل تعالوا } لمن هذا النداء إنه للخلق جميعا ويخص المسلمين وغير المسلمين معاً ؛ فإن هذا النداء هو نداء هذه الشريعة الخاتمة والرسالة التي بعث بها محمد صلى الله عليه وسلم ، وما سبق من هذه الآيات يبين لنا حكمة وموضع هذه الآيات في هذا السياق ؛ لأن الآيات السابقة كانت تخاطبنا عن المشركين من أهل الجاهلية وأفعالهم الشنيعة التي أحلّوا فيها ما حرّم الله ، وحرموا فيها ما أحلّ الله إتباعاً لأهوائهم ، وتقريراً لأعرافهم ، وتثبيتا لجاهليتهم .
ومن هنا جاء الخطاب الرباني في مواجهتهم قبل هذه الآيات والوصايا: {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون } .
أولئك الذين حرّفوا وبدلوا وغيّروا .. جاء النداء لتصحيح المسار ؛ فإنه لا حلال إلا ما أحل الله ، ولا حرام إلا ما حرّم الله ، ولا شرع إلا ما جاء عن الله أو بلغه رسوله صلى الله عليه وسلم: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } .
ليس هناك اختيارات ليس هناك أنواع من الأهواء التي تفضل شيئا وتؤخره وإلا كان ذلك ضرباً من مناقضة أصل الإيمان ومخالفة صفاء التوحيد: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما } .