إننا مُطالَبون جميعاً بهجرةِ ما نهى اللهُ عنه, إن كُنَّا نُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر, ونُوقنُ بالجنةِ والنار, وهجرةِ ما نهى اللهُ عنه تُطالبُ بها الأمةُ كلُها من أعلى القمةِ إلى أسفلِ القاع .
فالأمةُ كُلها تستقلُ سفينةً واحدة, فليسَ لأحدٍ أن يخرقَ في نصيبهِ خرقاً, فمتى خُرقت السفينةُ, أو عُقرت الناقةُ, فويلٌ للعربِ من شرٍ قد اقترب, إنَّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ, أو ألقى السمع وهو شهيد .
اللهُمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قُلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مُضلة،
اللهُمَّ زينَّا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مُهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروفِ آمرين, وعن المُنكرِ ناهين يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلِّموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمامُ المتقين، وقائدُ الغُرِّ المُحجلين، وعلى ألهِ وصحابته أجمعين .
وأرضي اللهُمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي.
اللهُمَّ آمنَّا في الأوطانِ والدور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأُمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سُبحانَ ربكَ ربِّ العزةِ عمَّا يصفون .
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه, ونستغفره.
اخوة الإسلام: في هذه الأيام تتوق نفوس المؤمنين إلى زيارة البلد الحرام، وتتطلع الأفئدة لأداء مناسك الحج, أحد فرائض الإسلام. وهناك من يقدر له ذلك, ويشاء الله أن يبلغه إتمام المناسك وقضاء النسك، وهناك أخرون تقعد بهم الحاجة، أو تنعدم لديهم الوسيلة، أو يشغلهم ما هم فيه من فتن ومحنٍ عن مجرد التفكير في الحج، فضلا عن الاستعداد له أو بلوغه.
وعلى الذين يعيشون حالة الأمن والرخاء, أن يشكروا الله على هذه النعمة, وأن يستثمروا أعمارهم وصحتهم في المسارعة للخيرات، وعدم التسويف في عمل الصالحات, وعليهم أن يشاركوا إخوانهم محنتهم بالدعاء والدعم, والمساندة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وفي مواطن الحج ومواقفه فرصة للدعاء، وهي حرية بالإجابة والقبول، فلا تحرموا أنفسكم وإخوانكم المسلمين من الدعاء, فهو سلاح نافذ، وهو طريق لتفريج الكر بات بإذن الله.
أيها المسلمون: لقد أنزل الله فيما أنزل في كنابه الكريم على رسوله الأمين قوله تعالى: (( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران: من الآية97 ) ) ( [1] )
قال أهل التفسير: هذه آية وجوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله تعالى: (( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) )والقول الأول أظهر ( [2] ) .
وقد وردت الأحاديث المتعددة, بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضرورياً, وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده، والإمام مسلم في صحيحه بسندهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس: قد فُرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم. ثم قال: ذر وني ما تركتم، إنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم, واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شىء فدعوه" ( [3] ) .
وقد اختلفت عبارات السلف في المقصود بمعنى قوله تعالى: (( مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) )ويجمعها: الزاد والراحلة والصحة، ويؤكدها قول الرسول صلى الله عليه وسلم وقد سئل: من الحاج يا رسول الله ؟ قال: ( الشعث التفل"، فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله؟ قال:"العج والثج"، فقام آخر(وهنا موضع الشاهد) فقال: ما السبيل يا رسول الله ؟ قال: الزاد والراحلة ) ( [4] ) ."
والمقصود بالشعث التفل: الذي لم يحلق رأسه، وقد اغبر من عدم الغسل، وتفرق من عدم المشط: أي تارك الزينة، و التفل: الذي ترك استعمال الطيب.
أما العج فالمقصود به: رفع الصوت بالتلبية، والثج سيلان دم الهدي والأضاحي (المصادر السابقة) .
اخوة الإسلام ويا من قدرتم على الحج وتيسرت لكم سبله ولم تحجوا بعد، الله الله بالمبادرة تأدية لفرض الله، وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم, وهو يحثكم على الاستعجال في ذلك ويقول:"تعجلوا إلى الحج- يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له" ( [5] ) .
وفي الحديث الآخر, يؤكد صلى الله عليه وسلم على الاستعجال في أداء الفريضة، ويبين العوارض التي قد تصد الإنسان، فيقول صلى الله عليه وسلم:"من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة, وتعرض الحاجة" ( [6] ) .
وحذاري- أخي المسلم- من التفريط في أداء الواجبات بشكل عام، وتأمل عقوبة من أطاق الحج فلم يحج- بشكل خاص- يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه يهوديا مات أو نصرانيا"قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى عمر ( [7] ) ، وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه"لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة- أي مالا وقادرا على الحج- فلم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين" ( [8] ) .
أيها المسلمون.. وفضلا عن كون الحج أحد أركان الإسلام التي لاقيام له بدونه، وقد قال الله تعالى في نهاية آية الحج السابقة: (( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) )قال ابن عباس وغيره رضي الله عنهما في تأويلها: أي ومن جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه ( [9] ) .
فضلا عن وجوبه وعظم جريرة من جحده وأنكره.. فإن للحج سواء كان فريضة أو نفلا منافع جمة، وفضائل كثيرة، جمعها الله تعالى في قوله: (( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) )وجاء بيانها في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فمن منافع الحج وثماره: أنه وسيلة لمغفرة الذنوب، وهل يوجد شخص خلوا من الذنوب والمعاصي، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) ( [10] ) .
ويروى عن أبي هريرة أنه قال:"حجة مبرورة تكفر خطايا سنة" ( [11] ) .
وقد ثبت أن الحج يهدم ما قبله من الذنوب، كما ورد في قصة إسلام عمرو بن العاص رضي الله عنه وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبسط يمينك لأبايعك، فبسط الرسول صلى الله عليه وسلم يده، فقبضها عمرو، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مالك يا عمرو؟ قال: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قال: أن يغفر لي، قال:"أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ماكان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ماكان قبله ( [12] ) وياله من فضل عظيم لمن وفقه الله."
ومن منافع الحج أن المتابعة فيه والاستمرار على العمرة معه سببان مانعان بإذن الله دون الفقر والذنوب، يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم:"تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة" ( [13] ) .
والحج المبرور طريق إلى الجنة.. وهي مبتغى كل مسلم- وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) ( [14] ) .